النسخة الورقية
العدد 11057 الخميس 18 يوليو 2019 الموافق 15 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:25AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الشهوات بين حدودها وحدها

رابط مختصر
العدد 11006 الثلاثاء 28 مايو 2019 الموافق 23 رمضان 1440

في عصر الانفتاح العالمي والعولمة، وُصفت الكثير من التعليمات الإسلامية على أنها محاولة لتقييد الحرية، واجتهد الكثير في وضع تفسير لأي سلوك إما بالحرمة أو الحليّة، والواقع بعيدًا عن الاجتهاد والأدلة، الثابت أن ما من شهوة إلا ولها قناة نظيفة لتفريغها، وما أدل على ذلك أكثر من كتاب الله العزيز الحكيم في قوله تعالى (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)، وليس من أوضع حكمًا وعلمًا من كتاب الله عز وجل، فمن يتبع هواه أي شهوته وفق هدى الله، وفق المنهج، لا شيء عليه، المنهيات والمحرمات أيها الأحبة ليست حدًا للحرية وإنما ضمانًا للسلامة، وهذا هو الدين.

الإنسان عبارة عن جسد وروح ونفس، وهذا الجسد هو وعاء للنفس، والنفس هي المطالبة وهي الكاذبة وهي المسيئة وهي المطيعة، والنفس تصدق ولا تصدق، ترقى ولا ترقى، تعرف ولا تعرف، والروح هي المحركة، النفس مطبوعة متطبعة على الكبر والعلو والغرور والتملك والزيادة وحب الشهوات، ولكن الروح دورها تحريك النفس باتجاه التوازن بالحد من قوة رغبة الشهوة، ولذلك لضمان وصول الإنسان للتكامل الإنساني جدًا وجودة.

لا يتخيل الإنسان هذه القدرة التي منحها الله إياه لتمكنه من إعمار الأرض ووراثتها، ولإدارة شؤونها بما فضله الله تعالى وخصه بالقوة الكامنة بداخلة من قدرته على مواجهة الشهوات والنزوات، ولذلك استحق الإنسان الكرامة، ويقول الله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وهي حالة التأمين الإلهي المخزون والمدخر لعباده الصالحين، فالتقنين الصالح للشهوة بحدها وحدودها هو التقنين على أخذ العبد حقه كاملاً في الدنيا بحرية مطلقة، ولا يفهم من الحرية المطلقة الإباحة للشهوات بل الحرية الكامل التي يمكن من خلالها تفريغ الشهوات في ما أحل الله تعالى، والتصفية والتزكية والتروية والتربية النفسية التي تقوم مقام تصفية الروح من الشوائب الروحية والنفسية.

واقع الإنسان وحاجته إلى هذه التقنية من وضع الحد والاعتراف به ومعرفته هو الضرورة التي لا ينبغي إغفالها والتخلي عنها، فالمسلم سالم مسالم، والعبد لله عابد طائع مستكين، وقد سخر الله تعالى لنا كل شيء، وقد خوّلنا الله التصرّف فيما سخّر لنا بما يشاء وفيما يشاء جل وعلا، ولذلك قال تعالى: (قل لا أملك لنفسي ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله)، فالعبودية والاستكانة له تعالى وطاعته عين إرادة الله في عباده، وعمل المؤمن بمنهج الله هو طريق الوصول إليه تعالى.

القنوات والحدود التي حددها الله تعالى لتفريغ شهواتنا في إطار المحلل شرعًا، سواء تلك الشهوات النفسية أو الجسدية وحتى الروحية، هي الحدود الإلهية المحددة، وليست تقييدًا للعباد بل لأجل رفعتهم وسلامتهم ومنعتهم وحصانتهم، وإلا لما كان الرد الصارم من البارئ تعالى في قوله: (تلك حدود الله فلا تعتدوها)، فحاجة الإنسان إلى التنبه والابتعاد عن المحرمات ضرورة، والابتعاد عن الشبهات وثائق لعلوه وكرامته وحريته من قيود الشهوة التي تزيد من قيوده النفسية وتنزله لمنزلة الأنعام بل أقل، وما أحوجنا اليوم إلى أن نبني هذه المفاهيم التي تعيد صياغة إرادتنا وذاتنا نحو تفعيل الهوية الإنسانية الصالحة التي ترث الأرض ومن عليها بالعمل الصالح وبالأخلاق والمحبة، بإرث لا ينتهي ونجاح لا يوصف دنيا وآخرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها