النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

حلقة «الزار» والبطل «لاريكا» مـــن ينتصر لمــرضى الصـــرع؟

رابط مختصر
العدد 10944 الأربعاء 27 مارس 2019 الموافق 20 رجب 1440

على مدار اليومين الماضيين ونحن نتعامل مع وضع أشبه بـ«حلقة زار» الجميع يريدون أن يدوروا بذات الحلقة لمجرد المشاركة دون أن نصل لأي فهم. حلقة «الزار» هذه المرة عنوانها «لاريكا» حين قرر الجميع أن يتلقف ما طرحه فيديو متداول في السوشيل ميديا ويتعامل معه كمصدر لا شك فيه وينطلق نحو توزيع الاتهامات التي كان لوزارة التربية والتعليم النصيب الأكبر منها دون تفكير، وكيف نفكر ونحن مجتمعات نشعر بالعار اذا طرح أمامنا أي موضوع حتى لو كان موضوعاً يحتاج لأصحاب الاختصاص، وقولنا «لا أعرف»، وهكذا أصبح الحديث عن عقار طبي مرخص اسمه «لاريكا» يحتوي مادة بريغالين التي تؤدي الى ارتخاء العضلات وتخفف آلامها بطلاً وفي نفس الوقت متهم مدان في قصصنا.
وأكاد أجزم أن لا أحد من الذين يشعلون اليوم الحديث عن «لاريكا» في مواقع السوشيل ميديا قد سمع يوماً بـ «لاريكا» او يعرف شيئًا عن مرض الكهرباء الزائدة في المخ الذي نسميه شعبياً بـ «الصرع». فنحن شعوب لا نحب القراءة، لكننا حتماً نتبرع بسخاء بالكلام.
الحديث عن «لاريكا» أعاد الى ذهني ما حدث تماماً قبل سنوات مع عقار طبي آخر اسمه «سايتوك» الذي يستخدم لعلاج تقرحات المعدة، لكن من آثاره الجانبية إحداث انقباضات في الرحم، وبالتالي لا يمكن لأي طبيب أن يصف هذا العلاج لامرأة مصابة بتقرحات الجهاز الهضمي وهي حامل، لأنها حتماً ستخسر حملها. فجاء الأصحاء وقرروا أن يتركوا تقرحات المعدة ويستغلوا مفعوله في انقباضات الرحم المؤدية للإجهاض. وهكذا قفز ثمن علبة «سايتوتك» من بضعة دنانير في الصيدليات المرخصة الى مئات الدنانير في السوق السوداء ليس كونه علاجًا للقرحة، بل من أجل بيعه على الراغبين بإجراء إجهاض غير قانوني بعد أن التفتت السلطات الصحية في الدول العربية لـ«سايتوتك»، وشرعت بفرض رقابة على صرفة سعياً لإيقاف السوق السوداء التي نشأت في مجتمعاتنا المحافظة.
الوضع لا يختلف كثيراً عن المتهم الثاني «لاريكا» مع فارق الاستخدام، فجميعنا صنعنا جمهورًا لمن رغبوا بالبروز الإعلامي على حساب الإساءة لوزارة التربية والتعليم، والحط من سمعة مدارس البحرين، والتحدث عن عقار طبي أسيء استخدامه وتقديمه للجمهور على أنه مخدرات، بهدف صناعة بطولات بين جمهور لديه ذهنية متحفزة لاستقبال أي انتقاد على الأجهزة الحكومية. والأسوأ من كل ذلك أن هذا الجدل هو أشبه بالسياط على ظهور من ابتلاهم الله بمرض الصرع. ولا أحد من جمهور البطولات الإعلامية استوقفته حقيقة أن كل عقار طبي قابل لتجيير استخدامه لغير الغرض الذي طرح من أجله بما فيها أدوية السعال التي تستخدم لتهدئة السعال الليلي، لكن هناك كثر لا يعانون السعال الليلي، لكنهم يستخدمونها كمنوم.
الحلقة الأضعف في حلقة «زار لاريكا» هم مرضى الصرع الذين نتعامل معهم في مجتمعاتنا بذهنية العصور الوسطى، وربما لا زال من بيننا من يعتقد أن نوبة الصرع هي «مس شيطاني» او شخص يتلبسه الجن، ويحتاج لدجال الحي ليأتي بطلاسم الجهل لتشفيه، لكننا أمعنا اليوم بجلدهم حين قررنا أن الدواء الذي يستخدم لتقليل الألم الناتج عن النشاط الكهربائي في أدمغتهم ليس إلا مخدرات، لكن لا أحد استوقفته حقيقة أن تناول «لاريكا» من قبل شخص لا يعاني الصرع سيمحنه أضعاف التهدئة التي يمنحها العقار ذاته لشخص يعاني نشاط كهربائي بالدماغ. وهذا تماماً ما صنع للاريكا سوق بين المراهقين الأصحاء الراغبين بالحصول على إحساس بالتخذير. وبدلاً من أن نذهب الى التعاطي مع المشكلة من باب اجتماعي وطبي صحيح، ونتحدث عن إساءة استخدام العقاقير الطبية، والدور الأسري لعائلات المراهقين الذين يبحثون عن التنمر والتقليد الأعمى، قررنا أن نبدي إعجابنا بوجبة التشهير التي طرحها الفيديو والتي طالت مراهقة حصلت على عقابها وحرمت من الدراسة الرسمية، لكننا لم نكتفِ إلا بإعدام فرصها المستقبلية، كذلك قررنا أن نرجم وزارة التربية والتعليم ونتهم المسؤولين فيها بالصمت عن انتشار ما اسميانه بـ «المخدرات» لأن عبارة إساءة استخدام عقاقير طبية ليست مغرية مثل تسمية «المخدرات» بين جمهور لديه حالة اعتماد نفسي على «الحلطمة» والأسوأ من كل ذلك أضفنا عارًا اجتماعيًا جديدًا لمرضى الصرع وهو المخدرات والسبب البحث عن الإثارة.
المؤسف في كل التفاصيل أن السلطات الصحية في البحرين حتى الآن لم تخرج عن صمتها، ولم يتبرع أي مسؤول بتوعية الناس، إننا أمام وضع هو فعلياً إساءة استخدام للعقاقير الطبية، فلن نسألكم لماذا تتعاملون مع مرض الصرع وكأنه عار، ولن نسألكم لماذا لا يوجد لدينا رابطة لمرضى الصرع وموقع إلكتروني فيه أطباء متطوعون يقدمون المشورة- كما هو الحال في الولايات المتحدة ودول عدة- ولن نسألكم لماذا لا يوجد طبيب أعصاب محلي تطوع للحديث عن الصرع وأنواعه كما فعل زملاء له في مصر والأردن، لكن حتماً سوف نسألكم عن حق العائلات التي يعاني أبناؤها من مرض الصرع من عار تهمة «المخدرات».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها