النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

النخلة في وجدان الشاعر أحمد بن محمد آل خليفة

رابط مختصر
العدد 10896 الخميس 7 فبراير 2019 الموافق 2 جمادى الثاني 1440

الشاعر أحمد بن محمد آل خليفة أكثر الشعراء الرواد في البحرين عطاء بالنسبة للنظم في الطبيعة بصورة عامة والنخلة بصورة خاصة، وأصبحت النخلة هاجسه الأول. ويرجع سبب تعلقه بالطبيعة والنخلة إلى نشأته، فقد ولد في أحضان الطبيعة في قرية الجسرة، وهي قرية تقع بالقرب من البحر وتكثر فيها مزارع النخيل وبعض أشجار الفاكهة.

وفي عام 1932م انتقل إلى قرية الزلاق وبقي هناك حتى عام 1951م حيث عاش بقية طفولته وصباه. والزلاق قرية شبيهة بقرية الجسرة، فهي تنام مستقرة على ذراع البحر من جهة، ومن جهة أخرى تحيط بها البساتين بنخيلها الباسقة الممتدة حتى قصر الصافرية العامر.

لقد أثر منظر النخيل والبحر في نفسية شاعرنا الكبير الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، فكان إذا نظم قصيدة عن الشواطئ والبحر ذكر النخلة، والعكس صحيح. فقصيدته «ألحان الأصيل» من ديوانه (أغاني البحرين) تبين تعلقه بالشاطئ والبحر والنخلة:

كانت النزهة في وقت الأصيل بين موج ورمال ونخيل يربط شاعرنا النخيل بالشاطئ لتكتمل لديه عناصر الطبيعة التي يتغنى بها دائمًا والتي هي من تأثير طفولته في قريتي الجسرة والزلاق. ففي قصيدته (أوال) يرسم الشاعر صورة رائعة للنخيل وهي تعانق بعضها بعضًا، ويبدأ قصيدته ببيت غزل لمحبوبته البحرين:

أأنت السحر أم أنت الجمال لقد تهنا بسحرك يا «أوال»؟

إن محبوبة شاعرنا ذات الحسن والجمال هي بلاده البحرين التي عشق رمالها وشطآنها وبحرها:

تعانقت النخيل على ثراها 

فغارت من تعانقها الجبال

وباتت ترقب الشطآن ليلاً 

لتسمع ما تبوح به الرمال

فللأضواء همس مستفيض 

تضيع له من الرؤيا الظلال

 

هنا تبرز قيمة التخيل لشاعرنا الذي رسم لنا صورة رائعة تبين أنه عندما يهب الهواء يداعب أغصان النخيل، فتميل الأغصان (السعف) وتتشابك بعضها ببعض وكأنها في حالة عناق.. عناق العاشقين.. 

هذا العناق غارت منه الجبال وهي ترقب ما تفعله النخيل. 

فالجبال بطبيعتها صماء لا تتحرك على عكس أغصان النخيل. والشاعر في هذا البيت جسد طبيعة البحرين التي تأثر بها منذ طفولته وصباه. فعيشه في قرية الزلاق، حيث النخيل المحيطة بها تطل من بعيد على جبل الدخان، جعله يجسد تلك الصورة في أبياته.

أبدع الشاعر في وصفه النخلة عندما قال:

ونخلي في الشواطئ كالعذارى 

تغني للسعادة والجمال

يمر بها النسيم فكم حديث 

يغص به النسيم وكم سؤال

 

شبه النخيل وهي منتصبة على الشاطىء بالعذارى الجميلات اللائي تقفن على الشاطىء تنظر إلى جمال البحر من جهة وإلى هدوء المزارع من جهة أخرى، ما جعلهن يتفنن في الغناء بسعادة غامرة.

وعندما يهب نسيم الهواء تتضارب أغصان النخيل بعضها ببعض فيسمع لها صوت، شبهه الشاعر وكأنه حديث العذارى فيما بينهن، حيث يتخلل ذلك الحديث الكثير من الأسئلة التي تدور بين الأحبة.

وصف شاعر البحرين الكبير في قصيدة له بعنوان «البحرين موطن الجمال» جمال النخلة فأبدع في ذلك:

تعال إلى «أوال» ترى جمالاً 

تصوره الشواطئ والنخيل

تحار به إذا ما طفت حتى 

يصيبك من تأمله الذهول

ترى سرب العذارى شاديات 

ضحى أو عندما يأتي الأصيل

ومن رطب النخيل تذوق تمرًا 

يفوق الشهد وهو له عديل

فغار النخل لما قيل يوما 

فهذا عن جنى النخل البديل

 

ذهب الشاعر في حديثه هذه المرة عن النخلة إلى أبعد الحدود، فبين سبب ما تتمتع به البحرين (أوال) من جمال يكمن في النخيل والشواطئ.

وأن زائر البحرين يصاب بالدهشة والذهول عندما يتجول على الشاطئ بين بساتين النخيل فيرى جمال البحرين الحقيقي. وعلى تلك الشواطئ تسرح العذارى وتمرح في الصبح والمساء.

طالب شاعرنا الجميع بالوفاء للنخلة والاعتناء بها، فهي كريمة لا تعرف البخل على غرار «إن أنت أكرمت الكريم ملكته»، أي عندما تقدم لها كل ما تحتاجه وترعاها فإنها تبادلك العطاء بالرطب الجني، فيقول:

إذا احترم الإنسان في الأرض نخلة 

تجود له حتى يرى الخير في البذل

وإن أنت أكرمت النخيل تكرمت 

عليك وما بالنخل طبع من البخل

فيا رطب النخل الجني بك انتشى 

فؤادي لطعم قد يفوق جنى النحل

 

تأثر شاعرنا الكبير عندما بدأت تجف «عين عذاري»، فقد كانت العين ترفد بالماء بساتين النخيل وبقية أشجار الفاكهة القريبة منها والبعيدة، وهذا ما دعاه إلى القول إن النخلة قد أصابها الحزن وبكت على جفاف عين عذاري. وقد عبر عن ذلك في قصيدته «وقفة على عين عذاري المحتضرة»:

رأيت عين «عذاري» وهي تحتضر 

وكان يبكي عليها النخل والشجر

 

دافع في هذه القصيدة بالذات عن عين «عذاري» حيث انتشر المثل العامي «تسقي البعيد ولا تسقي القريب»، مبينًا أنها لو كانت كذلك لما ازدهرت بساتين النخيل بساحاتها، مؤكدًا أن تلك المقولة ظالمة:

قالوا لنا إنها تسقي البعيد ولا 

تسقي القريب فكيف النخل يزدهر؟

لو أنها ما سقت نخلاً بساحتها 

لما تدلى على أشجارها الثمر

لقد ظلمتم «عذاري» يا أحبتها 

فليس يصدق هذا القول والهذر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها