النسخة الورقية
العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

المرحوم يوسف خريج مدينة الحد

رابط مختصر
العدد 10888 الأربعاء 30 يناير 2019 الموافق 24 جمادة الأول 1440

بيوت مدينة الحد متجاورة بل متداخلة في كل الفرجان، شمالاً وجنوبًا، شرقًا وغربًا وهذه الجيرة خلقت علاقات ممتدة سداها ولحمتها المودة والمحبة والجيرة الطيبة، النساء يلتقين في ضحى كل يوم يتبادلن الأحاديث ويجلبن معهن أطفالهن الرضع ويفتخرن بأن ترضع إحداهن طفل الأخرى فنشأت علاقات أسرية لا انفصام لها فهذا أخ أو أخت من الرضاع وذلك عم وخال من الرضاع، إضافة إلى روابط أسرية تجمعهم بأصول ودماء مختلطة.
والرجال يلتقون في المساجد والمقاهي والدكاكين وسوق السمك القديم جنوبي الحد، فنشأت بينهم علاقات مودة وصداقة دائمة جمعهم البحر، صيدًا للسمك أو بحثًا عن محار اللؤلؤ أو التجارة البحرية البينية «القطاعة» فتوطدت العلاقات وكل واحد في الحد يعرف الآخر ولا غرابة عندما يقال إن في الحد بعد كل مسجد مسجد، بالإضافة إلى الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، اشتهر في الحد رجال من حفظة القرآن الكريم ومدرسيه وشيوخ الدين الأفذاذ المعتدلين والمتسامحين، وامتد ذلك إلى بناء مدرسة الحد الجنوبية التي تخرج على أيديها معلمون رفدوا مسيرة البحرين التعليمية من المدرسين الأكفاء، وكان المرحوم الأستاذ يوسف بن علي بن يوسف الذوادي طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته أحد هؤلاء المدرسين الذين تخرجوا من المدرسة الجنوبية ولشغفه بالحساب أصبح مدرسًا لهذه المادة في مدينة المحرق.
كنا في بيتين متجاورين فكان يوسف ربطته بخالتي عائشة يحفظها الله أخوة الرضاعة وأنا ارتبطت بأخيه إسماعيل بالرضاعة فكانت والدته يرحمها الله نوره بنت علي بن إبراهيم الذوادي والدتي من الرضاعة تحنو عليّ حنوها على ابنيها يوسف وإسماعيل حتى فارقت الحياة وهي دائمة التواصل والاستفسار عنَّا ويغضبها إن لم أزرها في الأعياد والمناسبات، كانت يرحمها الله دمعتها على خدها وهي تتذكر الأهل والجيران وصروف الزمان..
المرحوم يوسف بو صلاح ظل وفيًا لمهنة التدريس، وكان يمتحننا يوميًا في مادة الحساب في بيت والده يرحمه الله علي بن يوسف الذوادي الذي كان مكافحًا خاض البحر وأهواله، وعندما أقعده عامل السن فتح دكانًا يسترزق منه، وكان هذا الدكان بمثابة ملتقى لأهل فريج الذواوده بالحد، وكان يعلّم أبنيه يوسف وإسماعيل في إدارة هذا الدكان الذي كان أيضاً بالنسبة لنا ملتقى يومي، إلا أن الأستاذ يوسف كان مشغولاً بالتدريس فألقى تبعة الدكان على إسماعيل الذي منذ نعومة أظفاره وهو يسعى لخدمة الناس وتقديم كل ما يدخل السرور على نفوسهم وظل هذا هو ديدنه في عمل الخير في كل المجالات وعندما طرح مشروع البيوت الآيلة للسقوط كان إسماعيل ولا يزال ممن يؤمنون بهذا العمل الإنساني التطوعي الخيري.
كان المرحوم يوسف بن علي من كوكبة المدرسين الذين خرجوا من مدينة الحد ليسهم في مسيرة التربية والتعليم في البحرين، واشتهرت مدينة الحد بأجيال من التربويين أسهموا في ركب التعليم النظامي في البحرين والخليج العربي ولا غرو عندما أجرى الأستاذ محمد عباس العمادي وإدارته «محو الأمية وتعليم الكبار» بوزارة التربية والتعليم دراسة فتبين لهم أن مدينة الحد هي الأقل أمية، فقد كان التعليم القرآني سابقًا للتعليم النظامي وكانت الحد من المراكز المهمة في تحفيظ القرآن والأحاديث الشريفة والسيرة النبوية.
كان المرحوم يوسف بن علي الذوادي يحثنا على الدراسة وكونه مدرسًا لمادة الحساب فقد كان يرحمه الله مولعًا بتحفيظنا لأدوات الحساب، وأتذكر أنه كان حريصًا على تلقيننا أداة فاعلة لحفظ جدول الضرب؛ لأنه كان مؤمنًا بأنه المفتاح لفهم الحساب على أقسامه. كان رؤوفًا بنا لكنه كان يصر على حفظنا لجدول الضرب وكان يعمل كل ما بوسعه لأن نعشق هذه المادة وكان يتبرع لنا بالهدايا، وأخوه إسماعيل طبعًا كان محبًا للحساب، ولكنني بيني وبين هذه المادة جفوة لا أدري ما سرها.
ظل المرحوم يوسف مكافحًا حتى آخر حياته محبًا لوطنه ساعيًا لتربية أبنائه على نيل العلم والمعرفة وخدمة الوطن بكل إخلاص وتفانٍ، شعر يومًا بالحاجة إلى تسويق حلوى البحرين إلى المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية فبذل الجهد والطاقة حتى قيّض الله له إقامة مصنع في البحرين للحلوى البحرينية والبيع في المنطقة الشرقية إيمانًا منه بأن الرزق الحلال يتطلب الجهد والطاقة والإيمان برسالة معينة.
المرحوم يوسف بن علي الذوادي نموذج من رجالات البحرين والحد الذين آلوا على أنفسهم العمل بصمت، فقد كان يرحمه الله ناصحًا لنا وغيورًا على أن نقوم بكل عمل فيه خدمة وطنية وإنسانية، وكنا نشفق عليه، فقد كان دؤوبًا في عمله حريصًا على الدقة والإتقان، لأنه كان مؤمنًا برسالة وطنية، أفعاله أكثر بكثير من أقواله، عزاؤنا في أبنائه والأجيال الذين تتلمذوا على يديه ولا زالوا يحفظون عنه حرصه على التدريس بضمير وبذل وعطاء.
سنظل مدينين لهذا الوطن العزيز مملكة البحرين التي أتاحت لنا فرص التعليم، ولهذا الشعب الذي آمن برسالة العلم، فالكتاتيب لعبت دورها والمدارس أكملت هذا الدور من خلال التعليم النظامي فخرّجت لنا أجيال من التربويين نفتخر بهم، وأسهموا في ركب العلم والمعرفة والتربية والتعليم، فإلى جنة الخلد يا أبا صلاح فقد أديت الأمانة وأوصلت الرسالة غفر الله لك وأسكنك فسيح جناته. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها