النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

المريض العربي

رابط مختصر
العدد 10883 الجمعة 25 يناير 2019 الموافق 19 جمادة الأول 1440

هذا المقال بعنوان «المريض العربي» وقد كتبَته الآنسة رولفين باكر، الممرضة بالإرسالية الأمريكية في البحرين، ونُشر في العدد 194 من مجلة نجليتد اريبيا المؤرخ أكتوبر - ديسمبر 1941م.
وجاء في مقدمة المقال أن الآنسة باكر استجابت إلى طلب مستعجل من إدارة الإرسالية في الخليج لممرضة متدربة لكي تكون مراقِبة لمستشفيات البحرين. وقد عملت مع الدكتورة إشتر بارني قبل أكثر من سنة تحت عقد لفترة قصيرة حيث لا يتطلب منها الإلمام باللغة العربية، لذلك تولت مسؤولياتها في المستشفى فورًا.
أنا الآن هنا في الجزيرة العربية، أنظر إلى الخارج من شرفة المستشفى بينما نغسل أيدينا استعدادًا لعملية جراحية. «انظر، ما هذه الفوضى» قلت للدكتور هاريسون. هنا أرى مريضًا في ثوبه العربي الطويل يصعد إلى سريره وقدماه العاريتان المتسختان تلوثان الملاءة النظيفة. وجهه الخمري المؤطر بتجاعيد من الشعر الأسود، يُظهر علامات الرضا على الرغم من حقيقة أن سريره مصنوع من ألواح بدلا من زنبرك.

 

 

 

لدهشتي يبدو الرجل سعيدا بالرغم من أن المنطقة المحمرة الضخمة التي يبلغ طولها بوصتان وعرضها نصف بوصة خلف رقبته، لابد أن تسبب له ألمًا شديدًا. هذه هي الآثار التي تركتها قضبان حديدية ساخنة إلى حد الحُمرة التي وضعت عليه لكي تشفيه من وجع الرأس. هذا الكي مؤلم جدًا، لكن بسبب إيمانه التام بهذا العلاج، خضع إليه برزانة. هناك أيضا العديد من الندبات القديمة على جسمه، خلّفتها محاولات سابقة للشفاء من أمراض مختلفة أصيب بها خلال حياته. رغم ذلك هو الآن يدرك، مثل آخرين كثيرين، أن هذه العلاجات والممارسات قد خيّبت أمله، لذلك وافق على تجريب رعايتنا الطبية.
لكن هذا المريض ليس الوحيد الذي أراه. أسفل السرير تجلس طفلة صغيرة ضعيفة ومُنهكة القوى، عيونها محمرّة ومتورمة وتحاول أن تأكل بعض الفواكه غير الناضجة التي من المفترض أن تساعد على نموها. أووه، كم تستطيع هذه الأمهات ادخاره إذا تلقّين فقط معرفة ونصائح طبية أكثر قليلا لكي لا يصبحن جاهلات بصورة محزنة حول رعاية أطفالهن الصغار. إنهن يؤمن بأن مرض الطفل تسببه عين الحسد لذلك نرى الطفلة ترتدي خلاخيل حديدية في قدميها، وأسنان غزالة صغيرة مربوطة على قبعتها، وحول عنقها تميمة، هي عبارة عن صندوق صغير يحتوي على وُريقات مكتوب عليها بعض الآيات القرآنية بواسطة «المُلّا».
على الأرضية هناك بعض الكائنات الآدمية السوداء التي صادف أن تكون اثنتين من زوجات المريض وخدمهن الذين يحاولون مساعدة المريض في التعافي. الزوجة الأولى طفلة عمرها 16 سنة فقط، تمسك برضيع يرتدي ثوبًا أسود بسيطًا ليس له حاشية، حيث أن هذه الأم تأمل في الحصول على أطفال أكثر. وعلى الرغم من أنها تجلس بجوار جرّة ماء فخارية رمادية إلا أنه غير مسموح لها بشرب القليل جدا من الماء قبل أن يمر ثلاثون يوما على ولادة الطفل. لاحظت أن المرأة الأخرى بها قطعة صغيرة من القماش في أنفها، ولدى التقصي اكتشفت أن لديها التهابا في يدها، وإذا ما شمت رائحة كريهة فإن الالتهاب سيصبح أسوأ. إلى جانبها تستلقي طفلة صغيرة على حصيرة. نعم هناك أشياء في المشهد أكثر من المريض وعائلته، حيث إنني أرى حُصرا مطوية تحتوي على ملابس الفِراش وسلة من الطعام المحلي وصينية من الأكواب الصغيرة، وإبريق شاي ودلة قهوة وأنبوب الارجيلة الذي يكون جاهزا لأي شخص لكي يدخن حينما يرغب.

 


الآن بعض الأصدقاء يصلون لزيارة الرجل المريض. كل امرأة تغطي بسرعة كامل وجهها ما عدا عينا واحدة، إذ لا يسمح لأي رجل برؤية وجهها سوى زوجها. يذهب الخادم إلى إحدى الزوايا لوضع دلة القهوة ذات الأنف الطويل على الرماد فوق موقد الفحم. إنه مستعد لخدمة أي صديق يأتي في أي وقت خلال النهار أو الليل، كما تتطلب الضيافة الحقيقية. بجوار الموقد توجد صينية دائرية موضوع عليها أنواع مختلفة من الطعام المغطى بمنشفة رمادية. هذه المنشفة يتم إزالتها ويتجمع الكل حول الصينية. ثم يبدأ الجميع في أكل الطعام بأيديهم من نفس الصحن. بعد ذلك تُصب القهوة من الدلة ذات الأنف الطويل في أكواب صغيرة جدا (فناجين). بعضها يُرمى على الأرض لكن ذلك لا يهم. جيوش من الذباب تتجمع في الأرجاء لكن ذلك لا يبدو مهما أيضا.
«نعم، ما هذه الفوضى!» أكرر لكن الدكتور هاريسون يجيب: «ما هذا المشهد الفني جدًا». ثم يوضح بأنه يرى في هذا المنظر الحياة العائلية العربية الحقيقية. هنا العربي يفتقر إلى أي إحساس بالنظافة وعقله مليء بالخرافة، لكنه يتميز بقلب من الكرم الحقيقي والصداقة. إنه مريض سعيد لأنه مُحاط بعائلته وأصدقائه في بيئة تشبه بيته أكثر من مستشفى أجنبي. نتيجة لذلك سوف يشفى بصورة أسرع لأنه سعيد ويشعر أنه في البيت.
هذا التوضيح ساعدني على أن أفهم مستشفانا التابع للإرسالية بصورة أفضل، الذي هو مختلف جدا في نواحٍ كثيرة عن أي مستشفى في بلدي. هناك عدد كبير من الحواجز والصعوبات التي نواجهها، إذ إن الجزيرة العربية تنطوي على تنوع غير محدود من الأشياء الغريبة. القادم الجديد فجأة يأتي إلى هذه الأرض حيث الناس واللغة والعادات هي على النقيض تماما لما شهده في الحياة من قبل. مع ذلك، من الانطباع الأول غير الواضح للوجوه السمراء والفوضى التي لا معنى لها، ينبثق الإدراك بتنوع الأشخاص الذين تسنح لنا الفرصة بالاتصال بهم. ونحن نقوم يوميا بتلبية حاجاتهم الجسمانية، ندعو الله خلال حياتنا ونؤمن بأنه سيلبي حاجاتهم الروحية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها