النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11724 الجمعة 14 مايو 2021 الموافق 2 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

المنامــة لم نرَهــــا مـن قبــــل

رابط مختصر
العدد 10833 الخميس 6 ديسمبر 2018 الموافق 28 ربيع الأول 1440

 أعترف، منذ البداية، أني كنت، مثلي مثل كثير من البحرينيين، أتجنب دخول المنامة خوفًا من الازدحامات المرورية الخانقة، كما أن المنامة ارتبطت في ذهني بأعداد العمالة الأجنبية التي توجد بكثرة في كل ناحية من نواحي المدينة القديمة. لكني أرى المنامة الآن بعيون مختلفة جدًا، أرى المنامة كما لم أرَها من قبل. والسبب يعود إلى كتاب د.نادر كاظم الأخير «لا أحد ينام في المنامة» الصادر حديثًا عن دار سؤال في بيروت. قد يكون من الصعب أن تتغير رؤيتك لشيء أو لمدينة بعد قراءة كتاب، لكن كتاب «لا أحد ينام في المنامة» فعل هذا الشيء الصعب، وأكاد من فرط حبي للمنامة أن أقع في غرامها، وأظن أن كثيرين من الذين قرأوا الكتاب يعيشون هذا الشعور مثلي.

 

 

يقدم كتاب «لا أحد ينام في المنامة» لقارئه نظارة جديدة لرؤية المنامة بعيون مختلفة، المنامة وهي في أوج ازدهارها وتألقها كدرة مدن الخليج في القرن التاسع عشر وشطرًا كبيرًا من القرن العشرين، عندما كانت المنامة، والبحرين عمومًا، المركز العالمي الأهم في تجارة اللؤلؤ، ولاحقًا عندما أصبحت المنامة مدينة عصرية متقدمة ترتبط بقنوات عديدة بمدن العالم الحديث من باريس إلى لندن، ومن بومبي إلى طوكيو. يأخذنا هذا الكتاب في رحلة ممتعة وبأسلوب شيق وسلس بحثًا عن ذاكرة المنامة منذ ظهورها في التاريخ حتى الوقت الراهن عندما تحولت إلى وجهة جذب سياحية أساسية في مملكتنا الحبيبة. ولا بد أن أعترف، وأنا زميلة للدكتور نادر كاظم في المهنة والعمل، إن نادر كاظم يمتلك أسلوبًا متميزًا في الكتابة يجمع بين الرصانة والسلاسة والجاذبية، وهي خاصية قلما تمكن منها أحد من الذين يكتبون بأسلوب أكاديمي جاف وممل.
سأحاول، في هذه المقالة القصيرة، أن أقدم للقارئ الكريم، إطلالة سريعة على أبرز فصول الكتاب ومحتوياته. فالكتاب يتضمن أربعة أقسام وملحق كبير يضم الخرائط والصور والوثائق التي اعتمد عليها الكتاب. وهذا أيضًا ملمح مميز في الكتاب، وينم عن الحرص على توثيق كل شيء عن المنامة، فكل معلومة يأتي بها الكتاب ستجد ما يثبتها في وثيقة أو خريطة أو صورة أو مقابلة مع شخصيات من أهل المنامة الكرام.
يتناول القسم الأول من الكتاب ميلاد المنامة ميناءً، ثم سوقًا رئيسة تمكن من مركزة الأسواق الصغيرة والمتناثرة حول جزر البحرين في ذلك العصر، ويمثل الميناء والسوق النواة الأولى لمدينة المنامة القديمة التي كانت تتطور، بصورة تدريجية، لتتحول إلى مدينة ساحلية مهمة وتزداد أهميتها بازدهار تجارة اللؤلؤ حول العالم. وفي هذا الفصل سنكون على موعد مع الوسط المديني الأول الذي كوّن النسيج الاجتماعي المنفتح على العالم والمتنوع والمتسامح، وهو الوسط الذي قام على العيش المشترك بين جماعات عديدة ومتنوعة مثل المسلمين واليهود والهندوس والمسيحيين وغيرهم.
أما القسم الثاني من الكتاب، فيدور حول تشكل المنامة مدينة كوزموبوليتانية، أي مدينة عالمية فتحت أبوابها لك للعالم للتجارة والسكن والتعايش والتعاون. وهي الفترة الزمنية التي ميّزت المنامة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أفول حقبة اللؤلؤ أواخر العشرينات من القرن العشرين، وهي الفترة التي ارتبطت بحكم الشيخ عيسى بن علي الذي منح الاستقرار للمنامة كما منحها الازدهار والتألق، وهي ملاحظة مهمة في الكتاب، إذ يؤكد الكتاب على أن هذه الفترة هي الفترة التي حوّلت المنامة من مدينة ساحلية مثلها مثل بقية المدن الساحلية إلى مدينة مزدهرة وبمواصفات عالمية.
ويدور القسم الثالث حول المنامة خلال فترة الخمسينات والستينات والسبعينات، وهي الفترة التي يقفز عمران المنامة وأسلوب الحياة فيها قفزات كبيرة باتجاه التحرر والجرأة في العصرنة وحب الحياة. وهي الفترة التي كتب عنها الكاتب الصحفي إبراهيم بشمي كتابًا سماه «المنامة شانزليزيه الخليج»، ففي هذا الوقت كانت المنامة تزدهر كـ«شانزليزيه الخليج»، ومركز صناعة الترفيه الشبابية في المنطقة بحكم وجود عدد كبير من دور السينما والمقاهي والسلع الاستهلاكية المتنوعة. كما لا يغفل الكتاب، في هذا الوقت، الإشارة إلى تحول المنامة إلى ميدان أساسي للنشاط السياسي لشباب الطبقة الوسطى الغاضبين والمتمردين والمتأثرين بالأيديولوجيات الجديدة مثل القومية الناصرية وغيرها.
أما كيف تغيرت المنامة منذ منتصف السبعينات فهذا السؤال هو محور القسم الثالث في الكتاب. وفي هذا القسم سيطلع القارئ على الكثير من التفاصيل والمعطيات التي أسهمت في تغيير وجه المنامة القديم الذي عرفنها في القسم الثاني. ويركز الكتاب على عوامل كثيرة من الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينات، إلى نمو تيارات الإسلام السياسي بعد انحسار المدّ القومي واليساري، إلى التوسع العمراني الكبير والمتسارع الذي خنق المدينة القديمة، وابتلع واجهتها البحرية بعد أن تحولت هذه الواجهة إلى منطقة جذب للعديد من الاستثمارات والمشاريع الكبرى، إلى تأثيرات العولمة التي حرّرت الاستثمارات من الكثير من القيود والحواجز، كما حرّرت سوق العمل بما فتح الباب واسعًا أمام العمالة الأجنبية الفقيرة وغير المدرّبة ومن أبناء الطبقة الوسطى التي استقرت على الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها بعد أن شهدت المنامة حركة نزوح واسعة من قبل الأسر المنامية الكريمة. وفي الكتاب تتبع لهذه الحركة مع تركيز على الأسر التجارية والوجهاء والنخبة التي منحت المنامة نكهة خاصة ومميزة طوال النصف الأول من القرن العشرين.
ومع هذا، فإن الكتاب الذي كتب بحب صريح للمنامة، يختتم بهذا العبارة ذات المعاني الكبيرة والتي تدل على حيوية المنامة كمدينة حية، وعلى الثقة الكبيرة في قدرة المنامة على أن تعود كما كانت دائمًا مدينة العالم: «والحاصل أن وجه المنامة إذا كان قد تغيّر على نحو كبير، وهو تغير ما عاد بالإمكان وقف عجلته، فإن الثابت، بعد كل هذه الضربات الموجعة لرأس المنامة، أن قلب المنامة بقي حيًّا ونابضًا كما هي عادة المدن الحيّة دائمًا، وأن مستقبل المنامة -كما كان حاضرها وماضيها- سيبقى مفتوحًا على التنوع والانفتاح والامتزاج بين ثقافات وهويات وإثنيات، وطبقات من التاريخ تراكمت واحدة فوق الأخرى، وأن هذا التاريخ سيتواصل إلى أجل غير مسمى، وأن هذه المدينة ستكافح من أجل (الحياة.. حتى آخر قطرة) من بحرها الخرافي الذي كان هو صاحب الكلمة الأولى في وجودها، وهو وحده -إن (تاب وخاف الله)!- من سيكتب كلمة الختام».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها