النسخة الورقية
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

حادثة بيت محمد طيب خنجي ( 3/‏3 )

رابط مختصر
العدد 10785 الجمعة 19 أكتوبر 2018 الموافق 10 صفر 1440

نقدم اليوم الحلقة الأخيرة من مقال «أحد الشعانين» الذي نشر في العدد 172 المؤرخ يوليو - سبتمبر 1935 من مجلة نجلتيد اريبيا التي تصدرها الإرسالية الامريكية في الخليج.

أنهت مدرسة الأحد الامريكية الصغيرة تدريبات يوم أحد الشعّانين وأخذت المراقبة الأطفال إلى سطح الشقة من أجل حفظهم بعيداً عن مشاهد تخثر الدماء المخيفة التي جرت في ذلك اليوم. هناك لعب الأطفال بدمياتهم واستمعوا إلى القصص وبين لحظة وأخرى كانوا ينظرون إلى العالم المحيط بهم، بعيداً عن المسيرة التي عبرت الشارع إلى الشمال والأطفال الذين كانوا يراقبوها باهتمام. ولحسن الحظ لم يكن هناك أي من ضاربي السيوف في هذه المجموعة، فقد كان خط سيرهم باتجاه الشارع القريب من بيت مقدم الصدقات لكنهم حولوا طريقهم إلى شارع آخر لكي يتجنبوا صداماً محتملاً. ومن نقطة الافضلية لسطح المنزل أمكن رؤية الجموع تتجمهر حول الباب لكن كانت هذه النقطة بعيدة عن الأطفال بما فيه الكفاية لكي يتمكنوا من الملاحظة. 

لم يمضِ وقتٌ على بدء الصلوات المسيحية حينما أسرع أحد مسعفي المستشفى إلى الداخل برسالة مستعجلة إلى الطبيبين المتواجدين هناك اللذين غادرا المستشفى فوراً. لقد تم استدعاؤهما من قبل جيران بيت المالك الذي تحول فيه تقديم الصدقات إلى كارثة إنسانية. منظر أكثر رعباً لا يمكن تخيله. 150 جسداً ممدداً في الفناء (الحوش). الأموات والأحياء كان من الصعب تمييزهم تقريباً. بعد إزالة أغطية الوجوه (الحجابات) عن الرؤوس تم تغطية كل وجه بقطع من قماش قديم. وتم رش كل جسد بالماء الذي كان يقذف عليهم في محاولة لإنعاشهم. الكثير ممن كانوا مصدومين فقط تم اختناقهم. المشهد على جبهة المعركة ربما لم يكن أسوأ من ذلك. نقلت الشاحنات الأحياء والأموات إلى مستشفى الإرسالية وهناك تم فصلهم ونقل الأحياء إلى أسرة مريحة او فراشات منتشرة على الشرفات. وأصبح المستشفى مكتظاً بالجماهير عقب فترة وجيزة وراح الأطباء يتحركون بينهم ويقدمون العلاج لهم والتخفيف عن حالاتهم. وقام المبشرون الآخرون بتقديم كلمات الابتسامة والتخفيف باسم المسيح إلى الأصدقاء والأقارب وقدموا يد المساعدة إلى الأطباء. وكان هناك مرضى في حالة صدمة عظيمة والبعض منهم كان يعاني من أطراف مكسورة وأعضاء مسحوقة.

إحدى النساء (وهي عبدة) لفظت آخر أنفاسها بعد كفاح شجاع وجلس ولد صغير أسود اللون بجانب سريرها، وكان رزيناً. وحينما هزَّ الطبيب رأسه ليشير إليه بأن الحياة لن تستمر، انحدرت دمعة من عينيه، فسارع بمسحها. سأله الطبيب الذي كان يضع ذراعه حوله فيما كان لديه أي أقارب، فرد الطفل: «لا أحد» وهو يشير إلى أمه الميتة. ربت الطبيب على كتفه وانصرف إلى مريض آخر. بعد ذلك مباشرةً جاء عدة رجال وأرادوا أخذ الولد، فتم سؤالهم عما اذا كانوا يملكون الولد أم هم أقرباء له، فسردوا قصة طويلة حول كيف أنهم سيعتنون به وأنهم يقربون إليه. لكن قصتهم نوعاً ما بدت غير حقيقية، فاندفعت بعض النساء وقلن: «لا، لا تتركوه يذهب، أنهم يريدون أن يمسكوا به. دعوه يبقى هنا في مستشفى الإرسالية. نحن نعلم بأنكم سوف تقومون برعايته وتعتنون به». فارتسمت الابتسامة على وجه الولد الصغير كما لو كان يوافق على هذه الخطة، فيما بدا الرجال كأنهم مذنبون واختفوا.

انطلق الصوت المزعج للشاحنات مع العويل المصاحب للحزن وصرخات الدهشة إلى سطح منزل الدكتور ديم الذي يطل على المستشفى وجذب انتباه الأطفال. وقفوا هادئين وهم ينظرون من فوق السطح إلى مجمع مستشفى النساء الذي كان يمتلئ بسرعة بحشود الناس. شاهدوا الشاحنات بحمولتها من الأجساد الممددة المنهكة القوى تتدحرج إلى الباب، واستطاعوا أن يروا أباءهم والأطباء والممرضين يتحركون في أرجاء شرفة المستشفى وهم يعدون الأسرة على عجل ويحملون المرضى ويضعونهم عليها وينحنون على جوانبهم لتقديم الإسعاف لهم. إن صدمة المشهد شغلت عقل مراقبة المستشفى على نحو بالغ لدرجة أنها نسيت أن الأطفال كانوا يرونهُ، كانت منشغلة جداً بتقديم الصلاة لمساعدة الموظفين الطبيين لمواجهة حالة الطوارئ بهدوء، وبمهارة وكفاءة.

وبين وقت وآخر كانت مدرسة الأحد الصغيرة تقدم الصلاة للمسيح عيسى لمباركة آبائهم وبقية موظفي المستشفى للمساعدة في العناية بجميع المرضى والضحايا المتضررين. كان إيمانهم حقيقياً جداً وطلبهم تم تقديمة بثقة وتصميم جميلين. 

لقد بلغ عدد الأموات 83 شخصاً وعدد المصابين 40 شخصاً، وتم وضع عدد من المصابين في المستشفى بينما نقل كثيرون إلى بيوتهم. وتم تخصيص أحد الأطباء للذهاب إلى أرجاء المدينة لمعالجة أولئك الذين نقلوا مباشرة إلى منازلهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها