النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

أبعــــــاد

صلاح عيسى.. وداعًا

رابط مختصر
العدد 10491 الجمعة 29 ديسمبر 2017 الموافق 11 ربيع الآخر 1439

على نحو مباغت بالنسبة لنا نحن الذين ننتظر مقاله ليصلنا كل اسبوع من مكتب الاهرام حسب الاتفاق اذا برسالة عاجلة من هناك تحمل نبأ وفاة الكاتب.

فيتحرك في وجداني ساعة قراءة الرسالة شريط من الذكريات مع كاتب عرفته عبر مقالاته وكتبه وسلسلة تاريخاته لفترة خصبة مليئة بالتناقضات في مصر العزيزة، وهو مؤرخ له اسلوبه السهل الممتع، فلا يكتب باسلوب اكاديمي جاف بقدر ما يكتب باسلوبه الصحفي الجميل الذي امتاز به وتميز الراحل صلاح عيسى الذي عرفناه قبل ثلاثة عقود ونيف، كاتبا وطنيا تمسك برؤيته المدنية والانسانية مع سعة في عقله وروحه غذت التطور الفكري والخروج من القوالب الشعاراتية الجامدة، حين بدا الراحل كمثل القليلين جدا من ابناء جيله بالتفكير خارج الصندوق، وما ادراك ما الصندوق.

صلاح عيسى كسب نفسه حين حطم زوايا الصندوق وخرج للتفكير في الهواء الطلق، فكسبنا كاتبا متجددا يمتلك اسلوبا في الكتابة بديعا في قدراته وملكته الساخرة الجميلة التي تجعلك تقطع المسافات سريعا مع كل حرف يصوغه.

وظل الراحل صلاح عيسى يرافقني او بالادق ترافقني كتبه في رحلات وسفرات الراحة والاستجمام، حيث احرص في كل رحلة او سفرة على ان تكون معي، وآخر كتاب كان في رحلتي لصلاح هو «البرنسيسة والافندي»، في سلسلة حكايات من دفتر الوطن التي لا اعلم هل انهاها الراحل ام خطفه الموت قبل ان يضع السطر الاخير في تلك السلسلة!

وبرغم ضخامة الكتاب الذي اقترب من الالف صفحة الا انني انهيته بسرعة، بل واعدت قراءة ما يفوق النصف لروعة سردياته التي جاءت باسلوب اقرب الى عرض فيلم مبهر اخراجا وتمثيلا، وتلك ميزة فيلم صلاح عيسى الذي رحل ولنا نحن قراؤه معه ذكريات من زمن كان صعبا على الجميع.

صلاح عيسى رحمة الله عليه، كتب في السياسة وفي الفن وفي التاريخ، ولم يكن اسير نظرية الانحصار حتى حدود الانحسار كما حدث مع قطاع من كتاب جيله الذي خرج الى الدنيا وتفتح وعيه البكر الاول مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي فترة بقدر ما كانت صعبة وشاقة وقاسية بقدر ما خلقت جيلا حفر الصخر ومشى الطريق وعرا، فكانت النتائج ثراء فكريا وابداعيا وفنيا وسياسيا ترك بصماته لاكثر من نصف قرن في مسيرتنا.

عشق مصر ولم يغادرها يوما برغم ما تعرض له ولعدة سنوات من مضايقات وحصار في رزقه وعمله، وظل واحدا من الذين لا يبحثون عن البطولات المجانية ما اكسبه جدية في البحث وفي التاريخ الذي لم يكتبه باحكام مسبقة جاهزة، فقد كان يخلع قميص انحيازه الفكري والسياسي حين يدخل معمل التاريخ ويكتب متجردا من الانحيازات المسبقة، وهو ما جعل كتاباته في الشأن التاريخي ذات طعم مختلف.

حتى عن ريا وسكينة كتب الراحل وبحث واستقصى، فكان له كتاب تماما كما كتبه عن التاريخ المصري السياسي في حقبة الفصل والوصل، وهي حقبة اشبه ما تكون باللغز والاحاجي الملغومة بالمخدرات والمحظورات، وتعتبر الكتابة عنها وفيها نوعا من المغامرة واحيانا نوعا من الانتحار.

ومازلت اعود لمقالة مطولة له عن «الكاهن والفرعون» عن هيكل وعبدالناصر لطلاوة اسلوب امتاز به الراحل في الكتابة وفي التحليل وفي القدرة على اجتياز الصعب واحيانا على اجتياز الممنوع، وكان يمتلك قدرة جميلة مبدعة على تطبيق اللعبة الصحفية بمهنية عالية الذوق والجمال.

 

رحمـك الله صلاح عــيسى وغفـر لك ولنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها