النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

المسرح الشبابي.. الواقع، الرؤية، الأفق

رابط مختصر
العدد 10436 السبت 4 نوفمبر 2017 الموافق 15 صفر 1439

إن اعتماد النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة رئيس الاتحاد البحريني لألعاب القوى سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، جائزة خالد بن حمد للمسرح الشبابي للأندية والمراكز الشبابية ولذوي الاحتياجات الخاصة التي تنظمها وزارة شؤون الشباب والرياضة بهدف تعميق صلة الشباب بالمسرح واستقطاب المواهب المسرحية لبناء واقع المستقبل المسرحي في مملكة البحرين عبر حركة مسرحية مسؤولة تعي أهمية المسرح وأهدافه النبيلة في تكوين الشخصية الشبابية القادرة على معالجة مختلف القضايا التي يمر بها شباب البحرين، تعد خطوة رئيسة لتشكيل وتدشين مسرح شبابي قادر على بث روح التوهج الخلاق والمؤسس في نفوس وطاقات الشباب.


ويأتي هذا الاعتماد من سموه في وقت كاد مسرح الأندية فيه أن يُنسى تماما ويمحى من خارطة النشاط الحيوي للمؤسسة العامة للشباب والرياضة. إنها خطوة يستحق عليها سمو الشيخ خالد بن حمد كبير التقدير والامتنان، وذلك لأنه بخطوته المهمة هذه، لفت أنظار الأندية بمجالس إداراتها ولجانها الثقافية والفنية، إلى فن يعتبر من أهم الفنون التي كانت الأندية تزاولها وتشارك بها من خلال فعالياتها ومهرجانات المؤسسة العامة السنوية آنذاك.
أذكر في الثمانينات والنصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، كيف كانت الأندية تستعد للمشاركة في مهرجانها المسرحي السنوي، وكيف كانت العناصر والكوادر المسرحية المعروفة في أوساطنا المسرحية في المملكة تولي هذا المهرجان كبير اهتمامها من حيث المتابعة والمشاركة في لجانه التحضيرية وفي لجنة التحكيم، وبعضهم ينتمي إلى الأندية فيشارك في المهرجان إما مخرجا أو مؤلفا أو ممثلا أو مصمما ومهندسا ومنفذا للديكور.


وكان مهرجان الأندية يعتبر من حيث التنظيم أكثر أهمية من عروض الفرق الأهلية، وذلك لأنه الوحيد الذي كان يعتبر في حينه مهرجانا للمسرح، حيث لا يوجد أي مهرجان مسرحي للفرق المسرحية الأهلية، وأذكر كيف كانت نوعية المنافسة بين العروض المسرحية المشاركة، وكيف كانت القاعات المسرحية المتواضعة والموزعة بين مسرح الجفير سابقا وخشبة مسرح مدرسة الشيخ عبدالعزيز الثانوية، كيف كانت تعج بجمهور المسرح الذي يشارك بدوره في الندوات التطبيقية التي تعقب العروض المسرحية.


أذكر أيضا الدور الذي يلعبه النقاد والكتاب والفنانين المسرحيين من ذوي التجربة والخبرة الفاعلتين والمؤثرتين في المسرح البحريني، في تحليل العروض المسرحية والمواجهات النقدية الخلاقة التي تجري بينهم، والتي على ضوئها يدرك المشاركون في العروض بأنهم ليسوا وحدهم في الساحة دون رقيب أو حسيب، وإنما يوجد هناك من يهتم بهم ويسعى إلى تطوير إمكاناتهم وقدراتهم الفنية.

 

 


ولو توقفنا قليلا عند معطيات هذه المهرجانات وإفرازاتها الإيجابية، لاستوقفتنا المواهب والكوادر المسرحية المهمة والمتميزة في ساحتنا المسرحية اليوم التي تخرجت من تحت عباءتها، إذ كانت مهرجانات الأندية فعلا هي الحاضنة الأساسية لهذه المواهب، والتي كانت آنذاك تمضي بالتوازي مع مهرجانات المسرح المدرسي التي كانت تقام للجمهور وتعرض مساء لمدة أسبوع متواصل.

 


لقد كانت هذه المهرجانات التي ننتظرها سنويا ونحضّر لها عروضنا المسرحية حتى قبل أن تعلن، كانت مهرجانات حقيقية للفرح وللتواصل الفني الخلاق بين المسرحيين أنفسهم، وبين المسرحيين وجمهورهم.


أذكر أن مهرجانات الأندية كان يقصدها مسرحيون كبار من دول الخليج العربي ويحرصون على متابعتها منذ يومها الأول وحتى الأخير، وكان بعضهم يشارك في الندوات التطبيقية للعروض، وكان المشاركون في هذه المهرجانات يشعرون إزاء ذلك الاهتمام بأهميتهم الإنسانية والفنية، فيحرصون على التمسك بهذا الفن ومزاولة نشاطهم المسرحي من خلالها.

 


أذكر أيضا أن هذه المهرجانات كانت تصاحبها نشرة أو مجلة مسرحية ترصد وتوثق فعاليات المهرجان، وكان يسهم في تحريرها كتاب وفنانون من أهل المسرح، فكانت هذه النشرة في متناول الجميع ويحرص الجمهور على الحصول عليها، وإذا كان لهذا الجمهور رأي في بعض ما ورد فيها فلم يكن هناك مانع من توثيق رأيه فيها.

 


أذكر أن العروض التي كانت تقدم في مهرجانات الأندية، كانت في مستوى نوعي متقدم، وكان بعضها أكثر أهمية من عروض الفرق المسرحية الأهلية، ولعل بعض الأنواع والتجارب المسرحية المغايرة المتميزة التي احتفت بها المهرجانات التجريبية التي تقام في بعض الدول العربية، كان منطلقها من الأندية ومن مهرجاناتها، فمن خلال هذه المهرجانات برزت تجارب مسرحية متميزة كالتي تميز بها نادي مدينة عيسى على وجه التحديد، والذي أصبح اليوم يتوفر على أهم القاعات والمرافق المسرحية في البحرين، بفضل جهود إدارته المثابرة، وعلى رأسهم الأستاذ أحمد جاسم العكبري رئيس مجلس الإدارة في النادي، حيث كانت مجموعة كبيرة من شباب المسرح، وأنا منهم آنذاك، تعمل مع الأستاذ الفنان عبدالله السعداوي في المسرح الورشي، ومن خلال هذا النادي برزت تجارب المسرح الأسود ومسرح الهواء الطلق وتجارب أخرى أذهلت أهل المسرح في البحرين وخارجها.

 


أذكر أيضا أن مجالس إدارة الأندية آنذاك كانت تولي المسرح كبير اهتمامها، وكانت تسعى جاهدة من أجل التميز فيه، وكانت توليه نفس الأهمية التي توليها لنشاطها الرياضي الأساسي، وكان نادي مدينة عيسى والنادي الأهلي ونادي الحالة ونادي النعيم ونادي توبلي ونادي باربار، من أهم الأندية التي أولت المسرح اهتمامها.

 


إن النظرة الحضارية من لدن سمو الشيخ خالد بن حمد للمسرح كونه رافدا أساسيا من روافد الفكر التثقيفي والتنويري، كونه عاكسا مهما لنهضة المملكة في سعيها لتتبوأ مكانة متميزة وحاضرة كدولة عصرية متقدمة، تضع الأندية أمام مسؤولية كبيرة تجاه دعمها للمسرح وتجاه استمراريتها في التأكيد على أدواره الفاعلة والمهمة في المجتمع، كما تضع وزارة الشباب والرياضة أمام مسؤولية أن تتابع وتوفر شتى الإمكانات والسبل من أجل إنجاح واستمرار هذا المهرجان الحضاري العصري.

 


ومن أهم المرافق التي ينبغي على وزارة شؤون الشباب والرياضة توفيرها في الأندية هي قاعات المسرح التي ينبغي أن تكون معدة للتدريب والعروض المسرحية، بجانب تدشينها قاعات كبيرة خاصة لفعاليات المهرجانات المسرحية التي تنظمها للأندية، ولله الحمد توفرنا الآن على أهم قاعات العروض المسرحية في الأندية، وهي قاعة نادي مدينة عيسى، إضافة إلى توسيع هيكلها الوظيفي بحيث يشمل قسما أو إدارة خاصة بالنشاط المسرحي واعتباره ضرورة وليس مهرجانا عابرا مؤقتا يأتي في مناسبة معينة ومن ثم يأفل نجمه تماما، كما أفل هذا النجم لمدة تربو على العقدين تقريبا، ولولا اهتمام سمو الشيخ خالد بن حمد به لظل هذا الفن في طي النسيان ولم يلتفت إليه أحد، لذا نناشد المسؤولين بوزارة شئون الشباب والرياضة، وهي تسعى بخطوات حثيثة بلا شك نحو التطوير، الاهتمام بهذا الفن الحضاري وتفعيل ما اعتمده سموه من أجل إحياء المسرح في الأندية، خاصة وأنه -كما ذكر سموه- ينصب في تشجيع الأندية الوطنية والمراكز الشبابية على إطلاق المبادرات التي من شأنها تنمية وعي الشباب البحريني وإبداعاتهم في المجالات كافة، ومنها مجال الفنون المسرحية، إضافة إلى معالجة القضايا التي تهمهم في إطار الرسالة النبيلة للمسرح الشبابي في المملكة.

 


كما تأتي هذه الجائزة إدراكا من سموه بالدور المختبري الحقيقي الذي يضطلع به المسرح على الصعيد المجتمعي، وقدرته على مد الفرق المسرحية بنخبة من الشباب ليتحول بذلك من مجرد نشاط فني يجد فيه الشباب مجالا للتعبير والترويح عن النفس، إلى أداة من أدوات معالجة مختلف القضايا التي يمر بها شباب البحرين في قالب مسرحي فني راقٍ.

 


لقد انطلقت جائزة سمو الشيخ خالد بن حمد للمسرح، وعلى المؤسسة أن تتشبث بهذا الحلم الفني الجميل والمؤثر، كي تتجلى مهرجاناتنا المسرحية في أبهى صورة فنية يحلم بها سمو الشيخ خالد، ونحلم بها نحن المسرحيين ويحلم بها جمهور المسرح في الأندية.

 


وحسنا فعلت وزارة الشباب والرياضة عندما عندما أطلقت على هذه الاحتفالية الشبابية المسرحية اليافعة مهرجانا للشباب وليس للأندية فحسب، إذ يمكن تحت هذه اليافطة أن تنضم فعاليات أخرى شبابية غير فعاليات الأندية، مثل المراكز الشبابية والجمعيات والشبابية ومراكز وجمعيات أصحاب الهمم، أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالتالي تتسع رقعة المشاركة في مثل هذه الاحتفالية ولا تقتصر على مسمى واحد كالأندية مثلا، التي من الممكن أن تكون خارج التصنيف الشبابي.لذا لاحظنا في المسابقتين المسرحيتين السابقتين، حضورا لافتا للشباب، وتنوعا ثريا وسخيا في طرق وأساليب العرض المسرحي الشبابي، وهذا ما ينبغي أن يكون ويتحقق.

 


ولعلنا قد لاحظنا اهتماما كبيرا من لدن القائمين على تنظيم هذه المسابقة، تجلى في تخصيص لجان مشاهدة للعروض المسرحية الشبابية التي تنوي المشاركة في هذه المسابقة، مما يعكس حرص وزارة الشباب والرياضة على تقديم الأهم والأجود موضوعيا وفنيا، وهذه خصيصة لم تكن موجودة سابقا في مهرجانات الأندية.

 


ومن الأمور التي ينبغي الوقوف عليها، نظرا لأهميتها الفاعلة والمؤسسة، تنظيم الوزارة لورش مسرحية تعنى بشؤون الكتابة المسرحية والعرض المسرحي بمختلف عناصره المسرحية، من تمثيل وإخراج وسينوغرافيا وغيرها، الأمر الذي سيسهم حتما في المستقبل على تكوين مسرح حقيقي فاعل ومؤثر في وسطنا المسرحي ومجتمعه، وفي الأوساط المسرحية الخليجية والعربية.

 


إن أهم التيارات المسرحية في العالم، وأكثرها قدرة على التأثير والحضور، انطلقت من مسرح الشباب، وأصبحت فيما بعد اتجاهات مسرحية عالمية حظيت من الاهتمام والبحث الكثير الكثير، مثل المسرح الطليعي، ومسرح العبث، وغيرهما، فالشباب هم من أطلق الروح الجديدة والمتوهجة في المسرح، لذا نجد فعلهم المؤثر بارزا وبقوة حتى في الفرق الأهلية والخاصة في مسرحنا، سواء على صعيد التأليف المسرحي أو الإخراج أو التمثيل أو السينوغرافيا.
إن حضور هؤلاء الشباب الفاعلون مسرحيا، دعا المؤسسات الرسمية الداعمة للمسرح أن تأخذ بعين الاعتبار نمو عدد هذه الفرق الشبابية التي تزايد حجمها وكمها في مدة قصيرة لا تتجاوز العقد، وبروز مطالب جديدة صادرة عن منتجين جدد ينتظرون دعم مشاريعهم المسرحية، الأمر الذي دعا وزارة الشباب والرياضة إلى أن تسهل بعض الأمور المالية واللوجستية التي كانت سابقا، وقبل هذه المسابقة في حيز الاستقرار والثبات السنوي للموازنات المالية، وبلا شك أن ذلك الاهتمام سيعجل من حركة تطور الحراك المسرحي الشبابي مستقبلا في الوطن.

 


ولعل هذا الاهتمام سيمهد مستقبلا، وبالتعاون مع المؤسسات الخاصة، لإنشاء صندوق دعم مالي للتجارب المسرحية الشبابية المتميزة في رؤاها وأفقها، الأمر الذي سيجعل من هذه التجارب أنموذجا مسرحيا يؤسس لوهج مسرحي شبابي مغاير مستقبلا.

 


إن بروز الوهج المسرحي الشبابي في مملكة البحرين، وبشكل واضح وساطع تجلى في عروض الفرق الأهلية خاصة، حسم مسألة الصراع بين الأجيال المسرحية، وألغى فكرة الأبوة المسرحية التي تسعى للمحافظة على التقاليد والأعراف المسرحية واحترام مقدسات الكلاسيكيات وغيرها من دعوات المحافظة المتشددة والمتزمتة في المسرح، على حد تعبير الناقدة الفرنسية ماريفون سيزون.

 


وحتى يكون لمسرح الشباب حضورا تراكميا خلاقا في ساحتنا المسرحية، ينبغي ألا يظل رهين أو حبيس المناسبات والمهرجانات المسرحية، بل ينبغي أن يستمر في العمل والتأسيس حتى يكون ذا تأثير في مكونه المسرحي الفرقي، وفي الحالة المسرحية بشكل عام.

 


وهذا الأمر يستلزم بالطبع حضورا نقديا قادرا على مواكبة هذه التجارب، وتحليل وتفكيك معطياتها الفكرية والفنية، إذ يبدو أن الحضور النقدي شبه مغيب عن هذه التجارب، بسبب طارئيتها وآنيتها، وعدم قدرتها على التخلق باستمرار، وبالتأكيد في حالة مثل هذه، يصعب على مسرح الشباب أن يكون تيارا مسرحيا خلاقا ومؤثرا، وبالتالي يصعب بالمقابل أن ينتج عنه خطاب مسرحي يمكن قراءته من منطلق فكري محدد، يحدد هويته وطبيعته وتوجهاته، ويقودنا إلى قراءته من منطلق كونه حالة إبداعية لا حالة عمرية فحسب، إذ غالبا ما يتم تعريف مسرح الشباب اعتمادا على الحالة العمرية لفريق العرض، وليس الرسالة أو الرؤية التي يتبناها هذا الفريق في عرضه وطاقتها على التجدد والتطور.

 


إذن لا بد أن يكون العمل المسرحي الشبابي على درجة رفيعة من الوعي بأدواته وعناصره الفكرية والفنية، حتى يكون في حيز الذكر والاهتمام، وبصدد الحوار حوله بوصفه رؤية وأفق. لذا نحن بحاجة ملحة إلى تشجيع مسرح الشباب بوصفه أداة لتنمية الذوق والوعي، وبوصفه حالة لا تنفصم عن الأنساق الثقافية الأخرى التي تسهم في تطوير المجتمع الشبابي، بل والمجتمع برمته.

 


ومن هذا المنطلق، أرى ضرورة إشعال المنافسة الخلاقة في هذه المجالات المسرحية، عبر تنظيم وزارة الشباب والرياضة، مسابقات أخرى مصاحبة للمهرجانات المسرحية، ومغذية لها، مسابقات مثلا، في التأليف المسرحي، في البحث المسرحي، في التصميم وغيرها، فهذه المسابقات من شأنها أن تكون رافدا مهما ومطورا للحراك المسرحي الشبابي، إضافة إلى تدشين نشرة أو مجلة مسرحية دورية أو شهرية تعنى بالمسرح الشبابي، فذلك من شأنه أن يسهم في نشر الثقافة المسرحية التي ستشكل مستقبلا بوصلة ضرورية لتوجيه الشباب نحو المسرح الخلاق والمشاكس والمؤثر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها