النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12134 الثلاثاء 28 يونيو 2022 الموافق 29 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الذات المتصلة بـ«الواي فاي»!

رابط مختصر
العدد 10324 السبت 15 يوليو 2017 الموافق 21 شوال 1438

سابقًا.. كان من المتاح لنا أفرادًا، أن نختار الذات التي نود أن يرانا بها الآخرون، إلا أن حرية إظهار هذه الذات محدودة بالعقبات التي تقفُ عائقًا أمام حرية الاختيار، فيما اليوم، نحنُ أمام فرصة أكبر للتعبير عن الذات التي نريد، دون أن يكشف الآخرون -ما لم يكونوا على معرفة شخصية بنا- ما نحنُ عليه فعلاً، ويتحققُ ذلك عبر اتصالنا بالإنترنت، وفضاءاته من شبكات اجتماعية، وتطبيقات مختلفة.


إن ذواتنا في عالم الإنترنت، هي الذوات التي نقررُ نحنُ بكامل وعينا، كيف لها أن تكون.

 

فمن اختيارنا لصورنا الشخصية، التي نطبقُ عليها اختيار الأصلح، لتكون المؤهلة ليراها الآخرون، وصولاً إلى اختيار طبيعة الأمور المختلفة التي نوليها العناية والتركيز، لتظهرنا بالصورة الأفضل؛ كأن ننشر أفضل الصور لأطباق طعامنا، أو نبالغ في نشر صور لحظاتنا الجميلة حين نكونُ في سفر، ونستعرض الكتب التي نقرأها، أو كل ما يوحي بأنهُ مركزُ اهتمامنا، ليظهر للذين يتقاسموننا هذا الفضاء، بأننا: نأكل أفضل الأطعمة، نسافر لمختلف الأمكنة، نقرأُ كالمثقفين، نمتازُ بتواصلنا ورحابتنا وبشاشتنا عبر الحرص على «التصبيحات» اليومية، والتهاني، ونتفردُ بإيماننا عبر الأدعية والأذكار، ونفصحُ عن فكريتنا عبر اختيار ما نجدهُ أفضل الاقتباسات، إلى غير ذلك من الأمور العديدة.

 

 


وإني إذ أقول ذلك، فأنا لا أبني موقفًا تصنيفيًا، سلبيًا أو إيجابيًا، بل، لا أستثني نفسي من بعض تلك الأشكال التي ذكرت، إلا أني أبيّن المديات التي أضحت الشبكة العنكبوتية تأخذنا إليها. فالذات المتصلة بـ«الواي فاي»، كثيرًا ما تكون ذاتًا مختلفة جزئيًا -بتفاوت من بسيط إلى كبير- عن الذات الواقعية، أو هي ذات، لا تشبهُ ذواتنا الحقيقية، وهذا ما يتيحهُ لها اتصالها بـ«الواي فاي»، أو بالإنترنت على وجه العموم، وما اختياري لـ«الواي فاي»، إلا لكونه الرمز الأكثر شهرة لاتصالنا بهذا الواقع الافتراضي.


إن الذات المتصلة بـ«الواي فاي»، تسمحُ لنا أن نضخم من حقيقة الأمور؛ لأن هذه الأمور، ما أن نقرر بثها عبر فضاء الإنترنت، أو شبكات التواصل الاجتماعي بالتحديد، حتى تكون تحت سيطرتنا وتحكمنا الكاملين، وليس للعفوية أو اللامقصودية مكان، إلا بقدر هامش بسيط من الخطأ، فنحنُ من يقرر شكل ذاتنا التي نودُ أن نظهر عليه الآن، دون العناء الذي قد يواجهنا لو أردنا فعل ذلك على أرض الواقع، فمن سيكشف التعابير والإيماءات التي تخرج دون إرادتنا في الواقع، بينما هي مخفية عن الآخرين في الواقع الافتراضي؟ ومن سيعلمُ حقيقة مشاعرنا، وتفاعلاتنا، ومستوياتنا، وحالتنا الاجتماعية ونحنُ نظهر خلافها؟ ثم من سيقيسُ مدى أخلاقياتنا في الواقع الافتراضي، التي تظهرنا كما نريد، لا كما نحنُ واقعًا؟!


لا أحبُ تسمية اختيار الذات هذا بـ«النفاق»، إذ أفضل أن أعبّر عنهُ بـ«اختيار الذات الأصلح»، وليس بالضرورة أن يشير مفهوم «الأصلح» إلى ذات في اتجاه إيجابي، إذ يمكنُ أن يكون «الأصلح» بالنسبة إلى بعضنا، ذاتًا تنفلتُ من عقال الواقع، لتعبّر عن كل ما تريد بحرية مطلقة، بعيدًا عن كل التزامات أخلاقية أو مجتمعية، أو دينية، أو قانونية،...إلخ، خاصة عندما تلجأ هذه الذات إلى هوية مستعارة.


إن كل أشكال الذوات التي نختارها في هذا الواقع الافتراضي، عادةً ما تكون محفوظةً، مما يتيحُ للآخرين، متابعة تطورات ذواتنا، وأشكال ميولاتها، وتفضيلاتها، فالواقع الافتراضي، فضاء لأن نكون كما نريد؛ أغنياء، متحضرين، مثقفين، مفكرين، حضاريين، مؤمنين،... إلخ، كما أنهُ فضاء للتعبير عن سلبياتنا بحرية، إذ يتيحُ لنا أن نكون: عنصريين، طائفيين، متنمرين، متشددين،... إلخ، فيما الواقع يفرض علينا أن نكون في غالب الوقت، خاضعين لحقيقة إمكانياتنا، ومعتبرين لعديد من الاعتبارات التي تقف عائقًا أمام انطلاقنا لنكون كما نريد، خاصة في حالة الذات التي تنفلتُ في اتجاهٍ يضرُ بالآخرين، والتي تتمثلُ بحريتها في فضاء الإنترنت!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها