النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

المعلومة مقابل زوال الخوف!

رابط مختصر
العدد 10303 السبت 24 يونيو 2017 الموافق 29 رمضان 1438

نخاف الكثير من الأشياء لأننا نجهلها، إلا أن امتلاكنا لبعض المعلومات عنها، يخفف من حدة الخوف، فكلنا نتذكر كيف كانت سياقتنا للسيارة في بادئ الأمر، إذ كانت واعية أشد الوعي لكافة التفاصيل، ومرتبكة بعض الشيء، إلا أنها أضحت بعد مراس سنين، بديهية وبسيطة، ولم تعد مخيفة، كما كانت تبدو سابقًا، فقد استطاعت أدمغتنا جمع أكبر قدر من المعلومات والفنون اللازمة للسياقة، لنكن مطمئنين بعد كل ذلك، لخوض هذه التجربة...
كذلك قد يصادف أيًا منا أمر مزعج ومخيف، عندما يبقى لوحده في إحدى الليالي بمنزله، ويستمع لأصوات مجهولة المصدر، تتوافد إلى أذنيه، وما أن يتبين مصدرها، حتى ينتبه لنافذة كانت تدفع بالهواء إلى الداخل، وتحرك بعض الحاجيات التي تصدر صوتًا، أعتقد بأنه صوت مخيف، وما أن يدرك ذلك فإن إدراكه كفيل بأن يجلي الخوف من نفسه، ليعود إلى هدوئه.
إن استبيان الأمور، والانتقال من منطقة المجهول إلى المعلوم، يشعرنا بالطمأنينة، لهذا نجد بأن العديد من الظواهر التي كان يخافها الإنسان سابقا، لم تعد تشكل مصدرًا لخوفه الآن، فما الخوف الذي سيتسببه لنا خسوف القمر؟ لا شيء في الغالب، ما لم نكن مؤمنين بأسطورة حول هذا الأمر، فحالة كحالة الخسوف، تحولت من مصدر رعب وخوف، إلى حالة من حالات الاستمتاع لدى العديدين، الذين يتتبعون هذه الظاهرة بوصفها حدثًا كونيًا يستحق الرصد والاستمتاع!
الأمر ذاته ينطبق على الحالة الصحية، فلو أن شخصًا اعتقد بأصابته بمرض عضال، فإن حياته قد تنقلب رأسًا على عقب، وتفارق الابتسامة وجهه من شدة القلق، لكن ما أن يؤكد له الطبيب، بأنه يعاني من عارض طبي، سيزول بعد أيام قلائل، حتى تنجلي همومه، وتعود إلى نفسه الطمأنينة. فتلك الأشياء التي نخافها، لن تعود كذلك إذا ما أدركناها، وفق الإمكانات المتاحة لنا.
لقد كشف لنا العلم العديد من الأمور الغامضة، ليجلي عنها الخوف، لا بل أنني أعتقد بأن المعلومة، حتى وإن كانت وهمًا، بإمكانها أن تزيح عن نفسك الخوف، ما لم تكن هذه المعلومة هي من أساسها مصدر لخوف آخر أشد.
لننظر إلى حالة إنسان مصاب بالهلع، لرؤيته أُناسًا لا يراهم الآخرون حين يخبرهم بوجودهم، لا بل أنه أصاب أهله ومحيطيه بذات الخوف والهلع، إلا أن هذا الإنسان تلقى معلومتين، على فترات متباعدة، الأولى تفيد بأنه مصاب بمس من الجن، وأن جانًا يتقمصه.. إن هذه المعلومة ستسبب لهذا الإنسان وأهله -إذا كان يعيش في وسط مجتمع يؤمن بأن للجان قدرة على تقمص الإنس- هلع آخر أشد سوءًا من هلع الجهل بحالته، لكنه ومع تقدمه في البحث، توصل إلى معلومة آخرى تفيد بأن ما يعتريه مرض سيكولوجي عصبي، وسمي له هذا المرض بـ«اضطراب الشخصية الانفصامية»، فإن هذه المعلومة التي تلقاها من طبيب مختص، ستتيح له إمكانية تلقي العلاج، والسيطرة الجزئية على حالته الصحية، وبالتالي زوال الخوف شيئًا فشيئا عنه وعائلته والمحيطين به.
ولو قدر لنا أن نراقب هذا الإنسان في حالاته الثلاث: فاقد للمعلومة، يمتلك معلومة خاطئة، يمتلك معلومة صحيحة، فإن الفارق الذي سيبدو لنا كبيرًا، لا بل أن المعلومة ستغير تعاطي المحيطين به بشكل كبير، وسينتقل الحديث من افتراضات وتأويلات حول أسباب تلبس الجن في جسد هذا المسكين، إلى معلومات موثوقة، يتلقاها من طبيب أو عالم مختص، لتغير مجرى حياته، وتزيل عنه خوفًا كان من الممكن أن يحطمه!
لهذا أختم بالتأكيد على أن تلك الأشياء التي نخافها، سيزول عنها طابع الخوف جزئيًا أو كليًا، متى توافرت لنا المعلومات التي بجهلها يسكننا الخوف دائمًا... ومن هنا تبرز أهمية العلوم والمعارف، في الأخذ بيدنا نحو آفاق يتضاءل فيها الخوف، مع التأكيد على أن هناك جانبًا سلبيًا كذلك لكل الأمور.. إذ ما يزال الخوف من نشوب حرب نووية، أو بيولوجية، أو إلخ.. ماثل في الأذهان، على الرغم من كونه اتخذ مسارًا محصلاً للمعلومة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها