النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11976 الجمعة 21 يناير 2022 الموافق 18 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

جدي و«الأوزبك».. البديهة في مواجهة الواقع!

رابط مختصر
العدد 10282 السبت 3 يونيو 2017 الموافق 8 رمضان 1438

قبل عام أو يزيد، هطلت الأمطار بغزارة على المملكة، وفي تلك الأثناء، انتشرت صورة لجدي وهو يقف حائرًا والماء يحيطه من كل جانب. وأدى انتشار وشيوع هذه الصورة في وسائل التواصل الاجتماعي، والصحف، إلى استغراب جدي الذي قال لي: «كيف رأى كل الناس صورتي؟ فلا أدخل المسجد، ولا أمر بجماعة، إلا وحدثوني عن تلك الصورة؟!».


لم أقابل سؤال جدي بجواب مباشر، بل أردت إدهاشه بعالم غائب عنه.. عالم الشبكة العنكبوتية، ووسائل التواصل الاجتماعية التي أتاحت للخبر أن ينتشر بأسرع ما يمكن، حينها قلت لجدي: «هل تعلم بأن صورتك شاهدها حفيدك الذي يدرس في الخارج في ذات اليوم؟»، لم يصدقني جدي بطبيعة الحال، وقال مستغربًا: «كيف ذلك؟ أهو بسبب الأوزبك؟».

 


«نعم بسبب الأوزبك»، أجبت جدي، الذي يطلق على الهاتف الذكي، بكافة تطبيقاته، هذا المسمى الخاطئ، عانيًا بذلك «الوتس آب»، ومختزلاً الهاتف الذكي في هذا التطبيق المسؤول عن التواصل بين عديد من الناس، كما يعرف كل من حوله عداه، فهو ما يزال يرفض استخدام الهاتف النقال البتة، متعللاً بشتى العلل!


لنتوقف عند رأي جدي القاطع بعدم استخدام هذه الوسيلة، ولننظر إلى جانب من جوانب فلسفته الحياتية.. فجدي من الرافضين بشكل قاطع لـ«نوستالجيا» الماضي، أو الحنين إلى ذلك الزمن الذي يصفه بالصعب، على عكس مجايليه، بل على عكس العادة التي تأسرنا حينما نستذكر الماضي فنحن إليه، فهو دائما يقول: «أي ماضٍ جميل هذا الذي يتحدثون عنه؟ ماضٍ لا يظفر فيه الأبوان إلا بعدد بسيط من أبنائهم بعد أن يموت العديد منهم صغارًا بسبب المرض؟ أم ماضٍ لا مستشفيات فيه، ولا وسائل نقل كالموجودة الآن، ولا طعام بوفرته، فأي ماضٍ هو هذا الجميل الذي تتدافع فيه الصعاب عليك من كل صوب؟».


إن جدي الذي يدنو من عقده الثامن، دائمًا ما يؤكد بأن الحاضر نعمة، ويحمد الله بأنه استطاع أن يعيش هذا الحاضر الذي توافرت فيه كل الأشياء، كما يقول، فلا وجود للجوع، ولهذا هو أحرص منا جميعًا على الأشياء، سواء كانت طعامًا أو دواء أو كهرباء أو ماء.. إلخ، لأن التفريط بكل ذلك مدعاة لخسارته، بل لأن شيئا أساسيًا كالطعام، يفتقر إليه عديدون، «حتى أكل البعض براز الخراف، ظانًا بأنها (فردة تمر)» كما يقول جدي عن ذلك الزمن.


إذًا بين الماضي والحاضر، فارق كبير، لا يمكن لنا إدراكه كأجيال جديدة، بالقدر الذي يدركه شيخ عاش زمنين معًا، وذاق مرارة الماضي، ليدرك بأن الحنين وأحلام العودة، هي مجرد خيالات لا يدركها الحالمون بشكلها الواقعي. وبطبيعة الحال، جدي ببساطته يتحدث عن ذلك الواقع الذي أنعكس على يومياته، لا عن الفروقات المتعلقة بمبادئ، وأخلاقيات، وسلوكيات الناس في الزمنين.


إن التكنولوجيا التي يعجز جدي عن التعاطي معها، بينما تبرع الأجيال الشبابة في استخدامها، تؤكد لجدي حقيقة مفادها بأن أغلب الأشياء باتت أفضل الآن. كيف ذلك؟ هو لا يعلم، لكنه مؤمن بأن الحياة باتت أفضل. وإذا ما عدنا لتلك التكنولوجيا، فإنها سليلة العلوم، تلك المنظومة التي لا نبرع فيها كأمة، لكننا نحرص كل الحرص على استهلاك مخرجاتها، بل أننا في بعض مفاصلها ننكرها، بجهل، على الرغم من استفادتنا من نتاجات تطبيقاتها!


وبالعودة للهاتف الذكي أو «الأوزبك»، فهي الوسيلة التي تتيح للناس التواصل آنيا، وتُعجز جدي عن تلفظ اسمها الصحيح، كما أنها تجعله حائرًا أمام بديهية استحالة وصول الشيء في غضون ثوان، لكن ذلك حادث بالفعل، وليس لجدي إلا التسليم بهذه الحقيقة، فيما نحن نرفض كل ما يصطدم ببديهياتنا، ونجتهد لإنكاره. وليست هذه دعوة لتلقف الأمور دون تمحيص، لكن الرفض أو القبول لابد أن يبنى على ما يجعله كذلك (مرفوضًا) أو (مقبولاً).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها