النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11979 الاثنين 24 يناير 2022 الموافق 21 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:14PM
  • العشاء
    6:44PM

كتاب الايام

الله لا يغــــــيّر عليــــنا!

رابط مختصر
العدد 10197 الجمعة 10 مارس 2017 الموافق 11 جمادى الآخرة 1438

«الله لا يغيّر علينا» مصطلح دارج في تراثنا الخليجي لحالة الرضى على الوضع القائم والذي قد تندرج تحته بعض القضايا السلبية التي ترسخت في كيان المجتمع، ومنه فلا يستغرب أن الأفكار والمعلومات السطحية وغير المدققة هي التي تحظى بالانتشار الأوسع في أغلب المجتمعات، حيث إن القطاعات الكبرى من الناس لا تتفاعل مع الأفكار المعقدة والتي تحتاج إلى متخصصين لمناقشتها وفحصها بموضوعية.

و بالعادة فإن الآراء الجديدة تكون غريبة ومرفوضة وبالأخص إن لم تكن متسقة مع أعراف المجتمع السائدة. وقد يستعمل الدين لمحاولة دفع هذه الأفكار ومحاربتها، بل ومن المفارقات التي توضح هذا الأمر أن رأيا فقهيا أدى بعالم إلى أن يسجن حتى يموت بسجنه بسبب غرابة قوله لعلماء عصره، فيصبح قوله - وهو إيقاع الطلاق بالثلاث طلقة واحدة - بعد مئات السنين قولاً سائدًا ومألوفًا، بل وقانونًا يحكم فيه في أغلب محاكم الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي، ويعرف هذا العالم الآن بشيخ الإسلام.

إن الانفتاح على المتغيرات ومحاولة الاستفادة منها أمر مهم للتخفيف من التعصب الفكري، فالأشخاص المنغلقون يظنون أن قناعاتهم وآرائهم بكل تفاصيلها ما هي إلا نموذج لما يجب أن يكون عليه حال البشرية جمعاء. بيد أن الموضوعية تقتضي أن يكون الإنسان متواضعا لا يدعي أنه يملك الحقيقة المطلقة، وتستدعي كذلك أن يكون دائما في حالة شك وتساؤل قبل أن يقبل أو يرفض فكرة ما. وأن تكون مقاربته لكل جديد مقاربة شاملة تسمح له برؤية الصورة الأشمل، فإن من سنن الله في هذا الشأن أننا كلما ازداد قربنا من شيء نريد رؤيته ومعرفته رأينا مساحات أقل وتفاصيل أكثر، وكلما ابتعدنا عنه رأينا مساحة أكبر وتفاصيل أقل.

إن الإنسان مهما بلغ من الوعي الفكري لا يستطيع أن يكون مستقلا تمام الاستقلال، حيث أن تكوينه الأسري والمجتمعي والديني وعوامل أخرى عديدة لا يستطيع الفرد مهما عمل الإنفكاك منها كليا، وهذا من جملة القصور البشري. ومن المؤسف أن كثيرا من الأذكياء يتبنون العديد من الأفكار المغلوطة بناء على مشاعرهم، وبعد ذلك يحاولون استخدام ذكائهم في تبرير وتسويغ هذه الآراء.

حين يسود الجهل ويخيم الجمود العقلي يسارع الناس إلى تصديق كل ما يسمعونه ويتلقونه على أنه حقيقة ثابتة... وهذا ما حدث في كل العلوم دون استثناء.

وإن من سنن الله في هذا الشأن أننا كلما اقتربنا من الشيء الذي نريد رؤيته ومعرفته رأينا مساحات أقل وتفاصيل أكثر، وكلما ابتعدنا عنه رأينا مساحة أكبر وتفاصيل أقل، وهذا ينطبق على المعنويات.

لا يستطيع أي إنسان مهما بلغ من النضج أن يكون مستقلا تمام الاستقلال، وهذا من جملة القصور المستولي على البشر... عليه أن يبذل جهدا متواصلا في بناء عقلية متحررة من كثير من القيود إن علماءنا القدامى نظروا إلى العقل على أنه أداة لإرشاد صاحبه إلى الطريق القويم... وفي هذا يقول سفيان الثوري: (ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل هو الذي يعرف الخير فيتبعه ويعرف الشر فيتجنبه)، ويقول محمد بن ورد بن نصرويه: العقل أن يغلب حلمك جهلك وهواك، وعن سفيان بن عيينة أنه قال: (لا تنظروا إلى عقل الرجل في كلامه، ولكن انظروا إلى عقله في مخارج أموره) أي في حسن تدبيره لشؤونه.

ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس الأذكياء يصدرون حكمًا فوريا بناء على مشاعرهم، وبعد ذلك يحاولون استخدام ذكاءهم في تسويغ ذلك الحكم ودعمه.

مضت سنة الله تعالى في هذا الكون بأن تظل أجزاء منه ملفوفة بالغموض....

وتمضي الأيام والسنين ونحن نردد أفكارنا في المجالس ظانين أنها تتأبى على الذبول مهما تقادمت، وهذا أحد أكبر الأوهام/‏ التي يقع فيها كثير من الناس وقد لاحظ علماء الاجتماع أن انتشار الخرافة يتسع كلما زادت درجة الجهل والقهر والعجز وفقد الثقة بالنفس.... لا يكون العلم علما إلا إذا كان عالميا.

الانفتاح شيء مهم للتخفيف من التحيز، فالناس المنغلقون على أنفسهم يظنون أن حياتهم بكل تفاصيلها ما هي إلا نموذج عظيم لما ينبغي أن يكون عليه حال البشرية لأن الفكرة حين تحرم من النقد تذبل وتتراجع، إذ إن النقد هو ماء الأفكار وهواؤها.

إن الدلائل تشير إلى أن الأفكار والمعلومات السطحية والسهلة وغير المدققة بالقدر الكافي هي التي تحظى بالانتشار الواسع ذلك كثرة الأتباع وكثرة المؤيدين، هذا تجده محل حديث عند الأمم، عند الدول، عند الأحزاب والطوائف، وحتى الجماعات الإسلامية تجد غرامًا كبيرًا بالعدد، حتى المحاضرات والدروس، تجدنا كثيرًا ما نتكلم عن عدد الحضور؟ فلان ألقى محاضرة في المدينة الفلانية، السؤال التلقائي الذي نطرحه: كم عدد الذين حضروا، فعندما نقول: والله عددهم كبير ضاق بهم المكان، وامتلأت الشوارع وازدحمت، والناس يستمعون في سياراتهم، نعتبر أن.. هو بطبيعة الحال لا يلام الإنسان، لكن ينبغي أن نراعي ألا ننساق وراء هذه الأشياء وأن نعتبر أن هذا -الحمد لله- شيء طيب ولكن أيضا نحن نريد ما هو أكثر من ذلك.

كذلك المجموعات الإسلامية، في كثير من الأحيان يتكلم عن مؤتمر إسلامي، أو عن جماعة إسلامية، أو عن حزب إسلامي، فيقال والله مثلا: إن أعداد الأتباع لهذا الحزب يعدون بمئات الآلاف، أو حتى بالملايين، أو بعشرات الملايين، هذا بحد ذاته لا يكفي ولا يعني شيئا، لأن عندنا أيضا عددا أكبر من كذلك كله وهو عدد المسلمين، فنحن كثيرا ما نقول: إن عدد الذين يدينون بالإسلام من الناحية الكمية يزيد على مليار وربع مليار إنسان، فهم عدد الرمل والحصى والتراب، ولكن حين تبحث «ويوم حنين إذ أعجبتكم» ـ ماذا ـ «كثرتكم» (التوبة:25) لاحظ كلمة «كثرتكم» «ألهاكم» ماذا؟ «التكاثر» (التكاثر:1)، الكثرة التي أعجبتهم كم كانوا يوم حنين؟ عشرة آلاف، كذلك عدد قليل في مقياسنا الآن، نحن عندنا الآن لو حسبنا (1%) عندنا عشرة ملايين وزيادة.

إذا: ينبغي أن نراجع ونراعي تصحيح قضية التكاثر، أنه ليس المقصود فقط أننا لما نقرأ: «ألهاكم التكاثر» (التكاثر:1) نتخيل التجار الذين ألهتهم دنياهم عن ذكر الله عز وجل، «يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله» (المنافقون:9)، هذا من التكاثر.

لكن أيضًا ينبغي أن يتفطن الإنسان لمعنى التكاثر الذي يخصه هو مثلاً، إن كان في عبادة، إن كان في طلب علم، إن كان في دعوة، إن كان في عمل، إن كان في دراسة، إن كان في دنيا أن يراعي الإنسان أن العبرة في الأشياء بحقائقها ومعانيها وكيفياتها قبل أن تكون العبرة بأعدادها وأرقامها.

«أن المشكلة ليست أن نعلم المسلم عقيدة هو يمثلها وإنما المهم أن نرد الى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها» عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة». متفق عليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها