النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

«أوهام.. أوهام.. هذي الدنيا أوهام»!

رابط مختصر
العدد 9806 السبت 13 فبراير 2016 الموافق 4 جمادى الأولى 1437

أحد الأصدقاء، دائما ما يترنم بالقول: «أوهام.. أوهام.. هذي الدنيا، أوهام!»، ولكثرة تكراره لذلك، بت أنا نفسي أكررها، حتى صرت أقرنها ببعض الأمثلة، التي أبين فيها حقيقة هذه الترنيمة البسيطة!
فما مدى الأوهام في حيتنا اليومية؟ وكم من أوهام تستمر إلى موتنا، وبموتنا تموت معنا، أو تبقى حية في وجدان ووعي من نقلنها لهم، أو لقناهم إيها؟! لو أننا أحصينا عدد الأوهام في حياة كلنا منا، لما استطعنا إحصائها، ومهما تجردنا من بعضها، ستبقى هنالك أوهام لم نستطع الوصول إليها، واستئصالها، بل إن بعضها ضرورة من ضرورات الاستمرار في الحياة، على أن هذه الأوهام، قد لا تكون ذاتها لدى الأخرين، ولهذا فالأمر كأغلب الأشياء، نسبي.


والطريف في الأمر، أو المزعج فيه، أننا نسخر دائما من أوهام الأخرين، في الوقت الذي نمجد فيه أوهامنا، ونعتقد بأن الأخرين مجموعة مجانين، فيما نحن منطقيون، ومدركون لحقائق الأشياء.. فماذا لو أخبرتك الآن، بأن هناك من يعتقد بوجود الممثلين ومذيعي الأخبار والسياسيين داخل الصندوق الأسود للتلفاز؟ ستضحك، متذكراً طفولتك عندما كنت تفكر بهذه الأوهام، على أنها حقيقة، وأنك دُفعت انطلاقاً من هذا الوهم، للتلصص من فتحات التلفاز -اتحدث عن الأجهزة القديمة، قبل ظهور أجهزة التلفاز الحديثة- لترى هؤلاء الأشخاص وعوالمهم.
لكن ماذا لو إن شخصاً ما زال يؤمن بذلك؟ في الوقت ذاته، ماذا لو أخبرتك بأن شخصاً يؤمن أن الجان يتلبسونه؟ هذا الافتراض أكثر منطقية من افتراض التلفاز كما اعتقد، وأكثر شيوعاً بطبيعة الحال.. لكن ماذا عن ذلك الذي يعتقد بأن الإنسان انحدر من سلف مشترك مع القردة؟ وذلك الذي يؤمن بأن «آدم» هو أبو البشر؟ وثالث يضن بأن البشر هم أبناء الآلهة؟ ورابع يصلي للكائنات الفضائية التي أوجدته؟ وخامس يحتمل بأناّ لسنا سوى ظل لعالم حقيقي؟ وسادس وسابع.. وتطول الاعتقادات والافتراضات، فمنَ منِ بين هؤلاء موهوم، ومن منهم يقول الحقيقة؟
بالنسبة لي، أجد أكثر الاحتمالات واقعية، بين تلك النماذج، لكنك قد لا تتفق معي في ذات الاحتمال، وغيرنا قد يخالفنا ويؤمن باحتمال ثالث، وكل منا بطبيعة الحال، سيرى خيار الآخر وهم، وخياره الصواب، ومن المؤكد بأن أحدنا يملك دليلا أقوى من غيره ليقتنع باحتماله، لكن هذه الدليل قد لا يدل الآخر، وبالتالي ندخل في متاهة الأدلة والأوهام مجدداً، فنجد بأن بعضنا مجبرين بأخذ الدليل، فيما الآخر يشكك في مصداقية الدليل من أصله، وثالث يعتقد بأن الأمر مجرد تآمر.. وعلى ذلك فترنيمة صاحبنا: «أوهام.. أوهام..» ترنيمة تصح أن ترنم في مثل هذه المتاهة!
هناك شخص اسمه (بن جولديكر)، تساءل في كتابه (العلم الزائف): «هل يتسبب صياح الديك في شروق الشمس؟» وبعد أن أجاب، أضاف سؤالا آخر: هل زر المصباح، يتسبب في إضاءة الغرفة؟ لا داعي لذكر إجابات (جولديكر) لأننا جميعاً نعرف الإجابة، فمثل هذه الأسئلة بسيطة، وباستطاعتنا التمييز بين الواقعي، والوهمي، لكن اسئلة أخرى كثيرة، لا يمكننا الوصول إلى نتائج حاسمة بشأنها، وهذا ما يجعلنا نخوض في غمار الوهم، إن لم يقودنا هذا الخوض، لخوض حروب فعلية، من المؤكد إن نتائجها وأضرارها ليست وهمية!
إذا فترنيمة «أوهام.. أوهام.. هذي الدنيا، أوهام» ليست بالعبثية بتاتاً، فكل منا يمتلك خزيناً من الأوهام، التي تشكل جزءاً من سلوكه وحياته، وفي ظل عدم اتفاقنا على الوهم، وكذلك عدم اتفاقنا على الحقيقة، يبقى علينا أن نحاول قدر الإمكان، احترام أوهام الآخرين، ليحترم الآخرون أوهامنا، أو احترام حقائق الآخرين، ليحترم الآخرون حقائقنا، أو.. أحترام أوهام وحقائق بعضنا البعض! مع الاحتفاظ بحق النقد والنقاش، مالم يقودنا ذلك إلى حروب، وإن كانت بسيطة، كضربة «بكس» أو رفسة في الصدر، على أبسط تقدير!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها