النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

لماذا ينزوي المثقف في غياهب الصمت

رابط مختصر
العدد 9416 الاثنين 19 يناير 2015 الموافق 28 ربيع الأول 1436

البنية الثقافية للخوف ترتبط بخوف المثقف من مواجهة استحقاقات الواقع ومتطلبات الموقف الفكري والسياسي في ذات الوقت، فهو يخاف من مواجهة القوى الاجتماعية والسياسية المؤثرة، فيجاريها او يسكت عنها أو يجاملها، أو ينسحب الى غياهب الصمت، مفضلا الجلوس على الربوة، أو الغرق في «الهلاميات» أو التهويم في عوالم العبث اللغوي، أو التظاهر بالتعالي على «سفاسف الصراع الاجتماعي والسياسي»، في الوقت الذي يشهد فيه قوى التخلف والغوغائية والرجعية الفكرية والسياسية تتغلغل في اوصال المجتمع، وتهدم بنيانه، أو وهو يرى التيارات التي تنظر للدولة الدينية المتعالية عن عالم الناس، دولة القداسة وسلب الناس وعيهم. إن الصمت والانسحاب قد يكونان تعبيرا عن موقف، ولكنه يظل في النهاية موقفا سلبيا، وغير فاعل، وإذا كان ميزان القوى يميل الى صالح القوى المحافظة والمضادة للتقدم والحداثة، فإن الصمت يكون بالضرورة تقوية لهذا الموقف ومساندة له. فالمثقف لا يكون مؤثرا إلا إذا كان ملتزماً بالتعبير عن حركة التاريخ ومضطلعاً بمهمة التنوير، ومستقلاً (عن الطمع والهوى)، ولن يكون مستقلاً إذا كان مسلوب إرادة العقل، وإذا عاش في الركاب صار بوقا، يلحقه ما يلحق المتبوع من انتكاسات ومن عداوات طالما أنه يتطابق معه ويتماهى معه، ولا يقل خطورة عن مثل هذا الموقف ذلك الانسحاب الصامت من الحياة الفكرية والثقافية والسياسة عامة، أو اللامبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات، خلية خلية لكيلا يسهم المثقف في الحياة وهو من كان يحلم بواقع أفضل، وهذا ما نلاحظه حاليا بين أوساط مثقفينا الذين فضلوا الانسحاب من الحراك، ولذلك لم «يعبأ بهم أحد». ان المعركة اليوم وغدا هي معركة الجميع، معركة الدفاع عن المجتمع واستقراره وتنميته وحريته وحداثته في ذات الوقت، ولذلك فإن الذي يتخلف عن الوقوف مع الوطن ومصلحته يكون قد تخلف عن أداء رسالته، ولذلك لا افهم كيف يمتنع المثقف عن الإدلاء برأيه في مجتمع يشهد تحولات ومخاضا متعدد الأبعاد ويواجه تحديات كبيرة. ففي الغرب، تتأسس قوة المثقف من جرأته وثقته بنفسه أو تحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف، يقوده التساؤل الحي والنقد البناء الى المشاركة في الارتقاء بالمجتمع، بعيدا عن سيادة اليقين والتلقين والامتثال، وذلك أن تلك البلاد توقفت عن أن تكون بلاد الخوف، بينما المثقف في ديارنا العربية، تتناهشه أشكال لا تحصى من الخوف، من كل شيء، حتى من نفسه ومن افكاره التي تراوده ولا يقوى على البوح بها حتى لنفسه. ولذلك نقول ليس فخراً الاعتراف أن مجتمعاتنا ما يزال يحركها انفعال عشوائي أو غوغائي، فلم نترب على استعمال العقل النقدي الا نادرا، فأغلبنا تعلم وتثقف على التخويف والتسليم والقناعة والرضا، ونبذ حرية التفكير وحق الاعتراض، فأصبحت مجتمعات دون إرادة فاعلة، والمثقف أو الكاتب عندنا جزء من هذه البنية، فهو - حتى إذا كتب - إما يكون منتقدا - لا ناقدا- أو مادحا - لا محللا - إلا انه - في اغلب الأحوال، لا يعرف إلى النقد الذاتي طريقاً، وحتى لا نظلم الكتاب جميعا، يجب أن نعترف بأن الظاهرة عامة وراسخة القدم عندنا، فهي ليست من الصفات اللصيقة بالكتاب فحسب، بل هي عامة، تنتشر بين الجميع، إلا من رحم ربي.. إن الكاتب في بلاد العرب، إما يكون منتقداً أو مادحاً، إلا انه لا يعرف إلى النقد الذاتي طريقاً، وحتى لا نظلم الكتاب جميعا، يجب أن نعترف بأن الظاهرة عامة وراسخة القدم عندنا، فهي ليست من الصفات اللصيقة بالكتاب والصحفيين فحسب، بل هي عامة، تنتشر بين الجميع، إلا من رحم ربي. فالنقد الذاتي ليس من نقاط قوة الفرد العربي، فمن الصعب أن نجد أحدهم في حالة تجل وكشف لأخطائه بالصدق العام المطلوب، فالكل على حق، والكل في حديثه عن نفسه كامل، والكمال لله.. إن مشكلتنا في النهاية أننا ما نزال ننتمي إلى دائرة ترفض الجلوس أمام المرآة، دائرة مصابة بضعف الإيمان بأن لكل إنسان ملامح خاصة، ورذائل خاصة، وان لكل إنسان تجربة في الضعف الإنساني، يجب أن يطلع عليها العالم، ويستفيد منها الآخرون.. نحن أقرب إلى دائرة تحتقر التاريخ، والناس، والرأي العام، مما يجعل أغلبنا يلجأ إلى كواليس الإشاعة والأقاويل الفارغة والتي لا تهتم إلا بالجزء الخاص بالرذائل والثلب والشتم.. والاستثناءات النادرة التي صاغت شبه مذكرات في تاريخ العرب، فعلت ذلك بحذر شديد، وبلغات أجنبية في الغالب (حتى لا يقرؤها العرب). همسة: «تعب أنا لكأنّ روحي بالضنى عصفورة، خلعوا جناحيها بأعلى المنحنى فبكيت دماً وبكيت، لكن العنا ما كان يعرف من أنا!». * الشاعر علي الشرقاوي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها