النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

وزير الخارجية وجماعة «عنزة ولو طارت»

رابط مختصر
الاربعاء 24 ربيع الاول 1431هـ الموافق 10/03/2010

الضجة التي افتعلها البعض لمجرد أن وزير خارجيتنا الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة إجتمع في واشنطون مع رموز وشخصيات أمريكية يهودية ذات تأثير ونفوذ في أوساط صانعي القرار في البيت الأبيض، لم تكن في حقيقة الأمر مستغربة. فهذا البعض جبل على مثل تلك الأعمال، و يجد فيها مصلحة سياسية شخصية يداري بها خيباته في مواقع أخرى، بل أنه ينسجم وواقعه الذي لا يعترف بالتغيير. فلقد تغير الكون من حوله، وسقطت دول وكيانات وأنظمة، وتوارت شعارات وأيديولوجيات وخطابات، وتفسخت مفردات ونظريات، فيما ظل هو واقفا مكانه يحتمي بمقولاته المتخشبة وشعاراته المتكلسة التي لم تقتل يوما ذبابة، ولم تنج يوما غريقا من التهلكة، ولم تحقق يوما انتصارا، ولم تبن يوما صرحا حضاريا يمكن التباهي به أمام الأمم! وهو بهذا إنما يكابر ويجادل وفق منطوق «عنزة ولو طائرة». يستوي في هذا «اليساري» الذي لا يزال يحلم بعودة سدنة الماركسية إلى الكرملين رغم تفتت الإتحاد السوفيتي وانتهاء عصر الثنائية القطبية، و»القومي» الذي يحلم بنهوض القائد المظفر من قبره لتحقيق الوحدة العربية، وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، رغم كل الهزائم والنكبات التي تسبب فيهما الشعارين المذكورين، و»الإسلاموي « الذي يمني نفسه بعودة دولة الخلافة المظفرة رغم علمه بإن واقع ومفردات العصر الحديث لن يسمح بذلك، و»الإسلاموي الشيعي» الذي يستأسد بدول وتنظيمات وشخصيات محلية وإقليمية، ويردد شعاراتهم حول محو إسرائيل من الوجود وإقتراب ساعة النصر الأبدي ضد «الشيطان الأكبر» وحلفائه، لكنه في مواضع أخرى يستقوي بحلفاء الشيطان الأكبر ضد وطنه. لم يسأل هؤلاء السادة أنفسهم يوما عما آل إليه قدس أقداسهم أي القضية الفلسطينية من نكبات متتالية بفضل عنترياتهم البلاغية، وخطاباتهم ، وسياسات «المقاطعة» التي تحولت فجأة إلى «ممانعة»، في ظاهرة تكشف عبثية إستخدام المفردات السياسية للضحك على ذقون البسطاء والرقص على عواطفهم! لم يحاسب هؤلاء السادة أنفسهم يوما عما إرتكبوه بحق الشعب الفلسطيني البائس من آلام وعذابات طويلة كنتيجة لمتاجرتهم بقضيتهم ومعارضتهم الدائمة والمتواصلة لكل فكرة أو مبادرة تطرح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى صارت القضية تسمى بقضية «الفرص الضائعة» في إشارة إلى الفرص العديدة التي ضيعها العرب على أنفسهم من أجل إيجاد تسوية ما تعيد الحقوق إلى أصحابها! تذكروا فقط على هذا الصعيد، ما فعله أصحاب الحناجر العالية والأمزجة المتوترة من جماعة «عنزة ولو طارت» حينما أطلق الرئيس التونسي الراحل المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة في منتصف الستينات رؤيته المبكرة حول تسوية القضية بطريقة مشرفة. تذكروا ما فعله هؤلاء يوم أطلق الراحل أنور السادات مبادرته الشجاعة لإلتقاء أطراف النزاع في فندق «ميناء هاوس» بالقاهرة. ثم تذكروا ما فعلوه مجددا من إطلاق أوصاف التخوين والعمالة بحق رجال ناضلوا وكافحوا كما لم يناضل غيرهم، وذلك في أعقاب «إتفاقية أوسلو» التي صار بموجبها للفلسطينيين لأول مرة كيانا ووجودا معترفا به على الأرض. وتخيلوا شكل القضية الفلسطينية اليوم لو كانت إحدى تلك المبادرات قد سارت في طريقها دون إصطدام بحواجز وحناجر وإتهامات جماعة «عنزة ولو طارت»! إن الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة حينما يتحرك، فإنما هو ينفذ سياسة عربية متفق عليها، أقرتها أعلى سلطة عربية وهي «سلطة القمة العربية». وهو في الوقت نفسه يطبق رؤى أولي الأمر - هل سمعتم يا نوابنا الاسلاميين داخل البرلمان ممن تكررون شعار «مساندة ولاة الأمر» كلما إحتجتم إليه لمواجهة خصومكم، وتنسونه حينما يتعلق الأمر بشيء آخر كالقضية الفلسطينية؟ - القائمة على مواجهة وسائل الإعلام الإسرائيلية وطرق أبوابها ومحاورة ذوي النفوذ اليهود، بدلا من التهرب منها، والذي لا يليق بأناس يصفون أنفسهم بأصحاب حقوق عادلة. بعبارة أخرى، يحاول وزير خارجيتنا إستخدام الدبلوماسية وما تتصف به سياسة البحرين الخارجية من عقلانية وهدوء واإبتعاد عن اللغط والشعارات العبثية، لفتح كوة في جدار منيع داخل نفق مظلم محفوف بالأشواك والألغام كنتيجة لغطرسة حكومات تل أبيب التي لا ينكرها أحد بطبيعة الحال، لكن إن إستطعنا أن نزيل شوكة واحدة من ذلك الطريق الطويل بالدبلوماسية القائمة على «خذ وطالب»، فقد نصل يوما إلى إزالة كل الأشواك وفتح معبر أمن وسلام لشعب يستحق أن يعيش كغيره من الشعوب بعيدا عن دق طبول الحرب و الإقدام على المغامرات العسكرية وإطلاق التهديدات العنترية بإجتياح كذا ومحو كذا من تلك التي أفسدت كل مبادرة، بل سلبت من العرب أضعاف مساحة فلسطين التي خسروها في عام 1948 . وأخيرا، فقد يقول قائل أن كاتب هذه السطور لم يقدم على كتابة هذا المقال دفاعا عن الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة إلا لمصلحة شخصية يريد أن يحققها له الوزير كالحصول عن منصب أو موقع رسمي. وردي البسيط هو أن شخصا كشخصي المتواضع، مضى به قطار العمر بعيدا دون مناصب، حتى شاب شعر رأسه وتدهورت صحته، لا يسعى إلى شيء من ذلك إطلاقا! إن الدافع الوحيد لم يكن سوى إيماني العميق بأن الرجل يقوم بالعمل الصحيح الذي يمليه عليه واجبه الدبلوماسي وخبراته العملية المتراكمة في أروقة السياسة العالمية. أما من يقول خلاف ذلك فإنه «عبيط» أو «يستعبط» !

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها