النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

المقاصد الشرعية

رابط مختصر
الثلاثاء 23 ربيع الاول 1431هـ العدد 7638

هذا دأب جاري عبدالعزيز دائماً، فهو إذا طُلب منه أن يتصدّق على الفقير بدينار يتصوّر أنه من الظلم أن يتصدّق على نفس الفقير بدينارين، وهو إذا أوصوه بتوزيع صندوق واحد من مياه الشرب على مرتادي المسجد في الشتاء يعتقد أنّه من الخطأ قيامه بتوزيع صندوقين على مرتادي المسجد في الصيف. ولذا فإني لم أستغرب معارضته لما ذكرته في مقاليّ الأخيرين حول إمكانية تقسيم الميراث بين الذكور والإناث بالتساوي. جاري عبدالعزيز رجل طيّب وشهم ومحبّ لله ورسوله، ولكنّه حرفيّ في تلقّي الأوامر وتنفيذها. ولقد خاصم أخاه ناصر بسبب حرفيته في التعامل مع وصية والده الذي أوصاهما بأن يزورا جدّتهما كلّ جمعة بعد وفاته، ليتفقدا احتياجاتها ويطمئنا على صحتها، ولقد خاصم عبدالعزيز أخاه لأنّ ناصر لم يكتفِ بزيارة جدته يوم الجمعة كما أوصى أبوه، بل أصبح يزورها كل إثنين وجمعة. حاول ناصر بشتى الطرق وبكافّة الوسائل أن يقنع عبدالعزيز بأنّ وصية أبي بزيارة جدّتي يوم الجمعة، ليس الهدف منها تنفيذ الزيارة يوم الجمعة بذاته ولكن الهدف منها هو أن نخصص وقتاً في الأسبوع لزيارة الجدة، وأن نظلّ نتابع أوضاعها الصحية ونلبي احتياجاتها، ولكن عبدالعزيز لم يقتنع بما سيق له من حجج واعتبر أخاه ناصراً خارجاً عن أوامر أبيه ومتمرّداً عليها. هناك الكثيرون الذين يفكّرون بذات الطريقة التي يفكّر بها جاري عبدالعزيز، فهم حرفيون في تلقي الأوامر وتنفيذها، لا ينظرون إلى الهدف من الأمر، ولكن يبذلون جهدهم لتنفيذ الأمر ذاته، بالكيفية ذاتها، وبالمقدار الذي طلب منهم أن ينفذوه، ويعتبرون من تجاوز هذا الأمر –حتى إلى الأحسن– واقع في الخطأ ومتلبّس بالمعصية وربّما منساق إلى الكفر أيضا. يظهر هؤلاء «العبدالعزيزيّون» –وما أكثرهم– في رمضان أثناء إخراج زكاة الفطر، فهم يصرّون على توزيع الزكاة أرزّا، ويرفضون أن يوزّعوها نقداً حتى لو كانت حاجة الأسر إلى المال أكثر من حاجتهم إلى الأرزّ، وحتى لو رمت الأسر الأرز في الشارع بسبب عدم احتياجها له. صديقي يروي لي أنه طرق باب أحد البيوت المحتاجة في رمضان، وحين رأى ربّ المنزل كيس الأرز بيد صديقي أدخله إلى فناء البيت ليريه أكداس الأرز الرابضة في مكانها والتي علاها الطلّ، وسأله: ماذا أفعل بكل هذا الأرز وأنا ليس لدي ثمن طبخه، وليس عندي فرن ولا أدوات مطبخية ولا زيت. وإذا أردت بيعه يعطوني ثلثي ثمنه، فلماذا لا يعطونني المبلغ كاملاً لأشتري ما أحتاجه؟ من هنا تبرز أزمتنا في التعامل مع النصوص الشرعية، فكثير منا لا يستطيع تجاوز حرفية الحكم للوصول إلى المقصد الشرعي منه، فهو يعتبر أن ما يطلب منه هو تنفيذ الأمر الإلهي مثلما جاء في نفس صورته وبنفس وضعيته ونفس حجمه، فلا يرى في زكاة الفطر سوى أنها مجموعة من أكياس الأرز توزّع على المحتاجين، ولا يدرك أنها وسيلة لتوفير احتياج المحتاجين سواء كان بالطعام إن كان المحتاج جائعاً، أو بالملبس إن لم يجد ما يكسي أبناءه في العيد، وبالمال إن لم يستطع بماله أن يصلح كهرباء البيت. بالعقلية «العبدالعزيزية» ذاتها يتعاملون أيضاً مع النص القرآني «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الانثيين»، فهم لا ينظرون إلى المقصد الشرعي من الآية الشريفة، وهو السعي إلى تحقيق المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، ولكنهم يريدون أن يلتزموا بتنفيذ الأمر الإلهي بحرفيته، ولذلك فإنهم لا ينشغلون بموضوع المساواة أبداً، إذ انّ كلّ همهم هو النصف والربع والثلثان والثمن. ولم يدر بخلدهم السؤال عما إذا كان أمر الله أن تحصل المرأة على نصف ما يحصل الرجل هو من أجل منع المرأة أن تحصل على النصف الثاني، أم من أجل أن يقول لذلك المجتمع الذي لم يكن يعطي أي نصيب للمرأة من الميراث: إن هذا أقلّ ما يسمح لكم أن تهبوه للمرأة؟ إنّ معرفة «المقاصد الشرعية» ضرورة ملحة لمعرفة الحكم وما وراء الحكم، وإنّ كثيراً من الأحكام يجب النظر فيها ومراجعتها بالاستناد إلى المقاصد الشرعية، التي تحدّث عنها الإمام الشاطبي، ومازالت هناك جهود تبذل في هذا المجال، من ضمنها جهود علال الفاسي والطاهر بن عاشور في المغرب العربي، ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي ومحمد حسين فضل الله في المشرق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها