النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

عن سياستنا الخارجية

رابط مختصر
الثلاثاء 23 ربيع الاول 1431هـ العدد 7638

سأعطيك مثالاً واحدا فقط على أن من مصلحتك أن يكون جارك عقلانيا وغير مغامر على شاكلة نظام صدام حسين المدحور أو نظام ملالي إيران المترنح الذي حتما سيسقط طال الزمن أم قصر. والمقصود بهذا المثال هو أن دولة الكويت منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1961 عملت بجد ومثابرة على إيجاد توازن في علاقاتها الدولية مع كافة دول العالم، فأقامت مثلا علاقات دبلوماسية وتجارية وعسكرية مع الاتحاد السوفيتي السابق الذي تزعم دول المعسكر الشيوعي حتى عام 1989. وفي الوقت نفسه أقامت روابط متنوعة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها ضمن معسكر الرأسمالية الغربية. لكنها حرصت دائما على رفض الدخول في اتفاقيات مع زعيمتي المعسكرين المذكورين لمنحمها قواعد عسكرية على أراضيها. غير إن غطرسة النظام الصدامي وغباءه المتمثل بغزوه دولة الكويت في صبيحة الثاني من أغسطس عام1990، قلب الأمور رأسا على عقب على نحو ما يعرفه الجميع. فهذا النظام العربي الذي كان من المفترض أن يكون عونا للكويت لا فرعونا عليها، أقدم على جريمة دفعت دول العالم قاطبة، وفي مقدمتها القوى العظمى، إلى الوقوف مع الحق الكويتي، وتجريم النظام العراقي والتنديد به. والجريمة نفسها دفعت صناع القرار في الكويت إلى طلب النجدة من كل دول العالم القادرة مع منحها التسهيلات الضرورية اللازمة على أراضي الكويت. إن للغزو العراقي للكويت وتداعياته دلالتين يجدر الإشارة إليهما: الدلالة الأولى: هو أن عليك أن تخشى أولا من الجار المغامر، المتهور، غير العقلاني، حتى وإن كان هذا الجار بلدا عربيا أو مسلما، فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، ولا مكان فيها للعواطف والشعارات الفضفاضة “التضامن الإسلامي والقومية العربية وعدم الانحياز” من تلك التي تمسكنا فيها ردحا طويلا من الزمن ولم تجلب لنا سوى الانتكاسات والهزائم المريرة. ولعل تاريخ منطقتنا العربية حافلا بالعديد من الأمثلة التي تجعلنا نتوجس من الجار العربي المسلم قبل غيره. وهنا يستحسن أن نورد إلى جانب مثال الغزو الصدامي للكويت الشقيق، مثالا قريبا آخر لم تنسه ذاكرة الخليجيين بعد، هو قيام الجارة الإيرانية المسلمة باستخدام القوة لاحتلال ثلاث جزر عربية تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة: صحيح أن تلك الواقعة حدثت في زمن النظام الشاهنشاهي، غير ان خليفته المتمثل بنظام فقهي يرفع راية الأخوة الإسلامية استمر في احتلاله لتلك الجزر، وراح يرفض أية صيغة دولية للتحكيم، بل تمادى في مشاغباته واستعراض عضلاته إلى حد المطالبة مجددا بالبحرين، على نحو ما صدر عن المدعو “شريعتمداري” المستشار الصحافي للولي الفقيه قبل 3 أعوام تقريبا، وهو الحدث الذي دفع بزميلنا الدكتور عبدالله المدني إلى إخراج كتاب يرد فيه بالأدلة والمستندات على تلك المزاعم الفاجرة. الدلالة الثانية: هي أن الذي حرر الكويت هو توازن علاقاتها الدولية الذي استثمرت فيه الكثير من عقلانية حكامها وحكمتهم طيلة 30 عاما منذ الاستقلال الناجز في 1961. وبطبيعة الحال، أثمرت تلك السياسات المتوازنة الحكيمة عن وقوف دول المعسكرين الشيوعي والرأسمالي معها في محنتها، بدليل القرارات الأممية المتتالية التي صدرت منذ الثاني من أغسطس 1990 وحتى فبراير 1991. أما الذين شذوا عن الإجماع العالمي في الوقوف مع الكويت وشعبها المسالم فقد انحصر في حفنة من التنظيمات العربية الغوغائية كحزب البعث وفروعه في الدول العربية، إضافة إلى بعض الحاقدين والحاسدين لما يتمتع به الشعب الكويتي من ثروات وحريات. ولهذا فإننا نقول وبصوت عال أن ما يفعله وزير خارجيتنا سعادة الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، وهو الدبلوماسي المعروف بخبرته الطويلة وبعد نظره، من أجل القضية الفلسطينية هو الصواب بعينه لأنه ينطلق من قاعدة بسيطة في العلاقات الدولية مفادها “عليك بتوسيع دائرة أصدقائك وتقليص دائرة أعدائك ما أمكن، مع العمل على الحد من تهور وصبيانية جارك وذلك عن طريق مد جسور الحوار مع عدو جارك (اللبيب بالإشارة يفهم)”. إن الشيخ خالد بن أحمد يقوم بعملية ردع هادئة ودبلوماسية لحركات الجار المتهور، وهو يعلم تماما ماذا يفعل وما هو المطلوب منه حماية لأمن البحرين قبل أي شيء آخر، وهذا لعمري جزء أصيل من مهامه باعتباره وزيراً لخارجية مملكة البحرين، وليس وزيرا لخارجية دولة فلسطين. أضف إلى ذلك أن الذين التقى بهم الشيخ خالد بن أحمد هم في النهاية مكون من مكونات الشعب الأمريكي ولهم تأثير قوي وحاسم على صانع القرار في البيت الأبيض أيا كان المقيم به. وإذا كان مكمن الاعتراض على اجتماع وزير خارجيتنا، الذي تم مؤخراً في واشنطن، هو منع الحوار والتطبيع مع دولة إسرائيل أو من يمثلها، فإن أول من فاوض الإسرائيليين وطبع العلاقات معهم سراً وعلانية المئات من ممثلي ورموز الشعب الفلسطيني (أصحاب القضية الذين لا يستطيع أحد أن يزايد على وطنيتهم وإخلاصهم). فهل يحق لنا أن ننزع لباس الوطنية عن المرحوم ياسر عرفات أو الرئيس محمود عباس أو الدكتور محمود عبدالشافي والحسيني وعشراوي وعريقات وشعت وعبدربه وغيرهم كثير، فقط لكونهم جلسوا وصافحوا وفاوضوا الاسرائيليين. ثم إن في داخل دولة إسرائيل، ومنذ القرن الماضي وحتى اليوم، هناك من يتواصل مع رموز الدولة الإسرائيلية، بل ويجلس معهم تحت قبة البرلمان ويحمل جوازات تحمل نجمة داوود، فهل هؤلاء أيضا خونة ويجب نزع رداء الوطنية والعروبة والقومية عنهم “خدمة للطارئين الجدد على الساحة الفلسطينية من أمثال مشعل وهنية”، مثلما فعلتم مع وزير خارجيتنا لمجرد قيامه بمتطلبات عمله وواجبه الدبلوماسي في الالتقاء بذوي النفوذ ضمن مكونات الشعب الأمريكي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها