النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10973 الخميس 25 أبريل 2019 الموافق 20 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

المرأة التي سحقت شيوعيي الهند

رابط مختصر
العدد 8084 الأحد 29 مايو 2011 الموافق 26 جمادى الاخرة 1432 هـ

في الانتخابات التشريعية الإقليمية التي جرت في الهند في منتصف مايو الجاري، حدثت المفاجأة التي لم تكن متوقعة. فقد تمكن إئتلاف اليسار – الوسط الحاكم في نيودلهي بقيادة حزب المؤتمر العريق (تأسس قبل 125 عاما) من إلحاق هزيمة موجعة بالحزب الشيوعي الماركسي الهندي (سي بي إم) الحاكم في ولاية «البنغال الغربية» (حيث يبلغ عدد من يحق لهم الإقتراع نحو 140 مليون مقترع)، واضعا بذلك حدا لحكم الشيوعيين لهذه الولاية الكبيرة والمستمر من دون انقطاع منذ 34 عاما، أما الشخصية التي لعبت دورا محوريا في هذا الانتصار الذي حوّل «سي بي إم» إلى كيان سياسي منهار، خصوصا مع سقوط زعيمه وكبار قادته في دوائرهم الانتخابية، فهي السيدة «ماماتا بنيرجي» (56 عاما) زعيمة حزب «المؤتمر/ ترينامول» الذي لم يمض على إنشائه سوى 13 عاما مقابل 71 عاما على ظهور الحزب الشيوعي الهندي، و47 عاما على إنشقاق «سي بي إم» عن الأخير. وبطبيعة الحال توقف المراقبون طويلا أمام هذا الحدث لأسباب كثيرة: فهو أولا أعطى الحكومة المركزية في نيودلهي بقيادة رئيس الوزراء «مانموهان سينغ» (78 عاما) فرصة لالتقاط الأنفاس من بعد سلسلة من فضائح الفساد التي تورط فيها بعض وزرائه، وكادت أن تحجب الثقة عنها في البرلمان. وهو ثانيا أعطى المرأة الهندية ثقة مضاعفة بالنفس من بعد الثقة التي تولدت لديهن من بروز «صونيا غاندي» كزعيمة لأكبر وأعرق أحزاب البلاد، ومن وصول السيدة «براتيبا باتيل» إلى منصب رئاسة الجمهورية، و من وجود سيدتين أخريين كرئيستين لحكومتي ولايتي «تاميل نادو» و «أوتار برايش» ناهيك عن أن الحدث برهن للعالم أن نساء الهند لم يعدن فقط مجرد ربات بيوت يطبخن «الكاري» و»الدال» ويحممن أطفالهن وينتظرن أزواجهن، بل صرن رقما صعبا في المعادلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ثالثا عبــّد الطريق أمام حكومة «مانموهان سينع» للمضي قدما، ومن دون اعتراضات برلمانية، في تنفيذ إصلاحات اقتصادية طال انتظارها مثل رفع أسعار الوقود، وقانون مصادرة الأراضي، ومنح المزيد من الحوافز للمستثمرين الأجانب، خصوصا مع حصول الشيوعيين على 72 مقعدا فقط من أصل 294 في برلمان ولاية «البنغال الغربية»، ناهيك عن أن هذا الانتصار المدوي للائتلاف الحاكم في نيودلهي جاء متلازما مع انتصارات أخرى له ضد الأحزاب الشيوعية في ولايات آسام وكيرالا وبوندتشيري. وهو رابعا برهن مجددا على مدى متانة الديمقراطية الهندية وتقبل الجماهير الهندية لنتائج المعارك الانتخابية برحابة صدر، بدليل أن مناصري الشيوعيين الماركسيين – وهم كثر، ومتنفذون – لم يعترضوا على خروج حزبهم من الحكم عبر اللجوء إلى العنف والتخريب على نحو ما يحدث في دول أخرى في العالم الثالث. وهو رابعا برهن على أن أي فرد – بغض النظر إلى جنسه أو عرقه أو دينه – بإمكانه أن يصل إلى أعلى المناصب. فها هي امرأة من عامة الشعب، ترتدي الساري التقليدي الرخيص، وتنتعل خفا من البلاستيك، تتمكن بالإرادة الصلبة والعزيمة القوية من إزاحة شخصيات نافذة ذات جذور إقطاعية مترسخة. ولعل الجزئية الأخيرة بحاجة إلى المزيد من تسليط الضوء. فبنيرجي التي يناديها أنصار باسم «ديدي» أو «الأخت الكبيرة» بدأت حياتها كابنة لرجل معدم من الطبقة العاملة الكادحة. وعاشت في بيت خشبي متواضع على ضفاف أحد الأنهار المارة بمدينة «كلكتا»، وهو نفس البيت الذي لا تزال تعيش فيه إلى اليوم مع أمها، رافضة الزواج والإنجاب. وحينما كانت في سن الثالثة عشرة توفي والدها، فأصبحت المسؤولة عن أسرتها المكونة من أمها وخمسة أطفال، الأمر الذي أثقل كاهلها ودفعها الى النزول إلى سوق العمل في سن مبكرة، بل جعلها تعيش أوضاعا معيشية صعبة إلى الحد الذي كانت معه تتناوب النوم مع أخواتها وإخوانها فوق وتحت سرير واحد. غير أن سيرتها الذاتية تقول أنها تمكنت بإرادتها الصلبة وسعيها الدائب من التغلب على كل التحديات، بل ونيل عدد من الشهادات العالية في حقول مختلفة. فمن حصولها على ليسانس التاريخ من جامعة «جوغامافا ديفي» بجنوب كلكلتا إلى نيلها درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي من جامعة كلكتا، فحصولها على ليسانس التربية من جامعة «شيري شيكشافاتان» الذي أتبعته بحصولها على إجازة الحقوق من جامعة «جوزيف تشودري» في كلكتا. وبهذه الحصيلة العلمية المتنوعة، معطوفة على سيرة حميدة تظللها صور الكفاح والصدق والأمانة والاستقامة، والخطاب المتسق مع علمانية النظام الهندي، خاضت «بنيرجي» العمل السياسي لأول مرة في السبيعينات المبكرة من خلال الانخراط في حزب المؤتمر الذي برزت من خلاله كنجمة سياسية، وسكرتيرة عامه للحزب بولاية بنغال الغربية ما بين عامي 1976 و 1980، قبل أن تفوز في انتخابات عام 1984 التشريعية وتدخل البرلمان كأصغر النواب سناً. شغلت «بنيرجي» أيضا منصب الأمين العام لمؤتمر عموم شباب الهند حتى عام 1989، لتعود بعد ذلك إلى خوض الانتخابات العامة من دائرة جنوب كلكتا بدءا من عام 1991، محققة الفوز في إنتخابات الأعوام 1996،1998، 1999،2004 ، 2009. في جميع هذه الاستحقاقات رصد عنها أنها لم تستخدم قط المال أو الوعود الكاذبة أو اللعب على العواطف الدينية والثقافية والإثنية من أجل تحقيق طموحاتها. في عام 1991 عــُينت «بنيرجي» كوزيرة اتحادية للدولة للتنمية والموارد البشرية وشؤون الرياضة والشباب والمرأة والطفل، لكن شؤون الرياضة والشباب سحبت منها في عام 1993 بعدما خرجت بنفسها لتتظاهر مع الرياضيين المطالبين بتحسين أوضاعهم وأوضاع الرياضة عموما. أما في عام 1996 فقد زعمت أن حزب المؤتمر تداهن الشيوعيين الحاكمين في ولاية البنغال الغربية وتتستر على خروقاتهم طمعا في تمرير بعض القوانين في البرلمان الاتحادي من دون اعتراض. ويـُقال ان هذه المزاعم كانت وراء انفصالها عن حزب المؤتمر، وتحمسها لتأسيس حزبها الخاص في عام 1997 تحت اسم «حزب المؤتمر/ ترينامول لعموم الهند»، ليصبح هذا الحزب سريعا قوة المعارضة الرئيسية للشيوعيين في ولاية البنغال الغربية. وربما لهذا السبب اختارها التحالف الديمقراطي القومي بقيادة حزب «بهاراتيا جاناتا» في عام 1999 لشغل حقيبة السكك الحديدية، وهي الحقيبة الوزارية التي أثبتت «بنيرجي» من خلالها أنها صاحبة كفاءة ونزاهة. أما النزاهة فقد تجسدت من خلال تقديمها لميزانية خلت من الانفاق على مشاريع للسكك الحديدية داخل ولايتها كيلا يقال ان تفضل الإنفاق على مسقط رأسها من أجل دواع انتخابية، مقابل تركيز الإنفاق على مد خطوط حديدية ما بين المدن الرئيسية وبلدات المنتجعات الجبلية في الشمال من أجل تشجيع السياحة، وبالتالي تعزيز الدخل القومي. وأخيرا، يمكن القول أن «بنيرجي»، وكما كان حليفها (حزب المؤتمر) يتوقع، بدأت فور أدائها للقسم كرئيسة لحكومة ولاية البنغال الغربية، بتحرك سريع من أجل ترغيب كبريات الشركات الوطنية الهندية مثل «تاتا» للصناعات الثقيلة، وشركتي «ويبرو» و «إنفوسيس» لتكنولوجيا المعلومات بالاستثمار في ولايتها بعد انتفاء العراقيل التي كان الشيوعيون يضعونها أمام كل مستثمر محلي أو أجنبي تحت شعارات يسارية وإشتراكية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها