النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

«هيـــكل» و«مــــبارك» والحقيــــقة الناقــصة

رابط مختصر
العدد 8082 الجمعة 27 مايو 2011 الموافق 24 جمادى الاخرة 1432 هـ

في عام 1982 أجريت سلسلة من الحوارات الصحفية مع الكاتب الكبير «محمد حسنين هيكل» نشرت على صفحات جريدة «الأهالي» القاهرية ـ لسان حال حزب التجمع اليساري ـ التي كنت أعمل ـ آنذاك ـ مديرا لتحريرها، واجه «هيكل» خلالها عواصف التحريض عليه، بسبب كتابه «خريف الغضب» الذي تناول فيه بالنقد العنيف حقبة حكم الرئيس الراحل «أنور السادات». وكان «هيكل» حريصا على مراجعة تجربة الطبع الأخيرة خشية أن يكون قد قال شيئًا لا يريد نشره، أو أن أكون قد أخطأت الفهم أو السماع، عند صياغة الحديث، فغيرت كلمة مما قاله. وتنفيذا لوعدي له، حملت إليه تجربة الطبعة الأخيرة، وقرأناها معا، ولم يجد ما يعترض عليه سوى كلمة واحدة في المتن ضمن عبارة كنت قد اخترتها لتكون مانشتا رئيسيا للحوار، إذ كانت ـ آنذاك ـ خبرا جديدا لم ينشر من قبل. وكان العنوان يقول: «هيكل: السادات عرض عليّ بعد تركي «الأهرام» أن أكون نائبا لرئيس الوزراء، فرفضت».. وقال لي «هيكل»: ولكني لم أقل إنني رفضت. فسألته: ماذا قلت إذن؟.. قال: إنني أعتذرت فسألته: وما هو الفارق بين الكلمتين؟. فقال: فكر قليلا وستجد أن هناك فارقا.. إذ لا يليق أن يعرض عليّ رئيس الدولة منصبا فأرفض لأن ذلك ينطوي على تعالٍ لا يليق ولا يمكن أن يصدقه أحد، ومن الطبيعي أن اعتذر له عن عدم قبول عرضه، لا أن أقول له إنني أرفض. ولم أعن حينها بالعودة إلى نص التسجيل الذي أحتفظ به للحوار، للتأكد مما إذا كان «هيكل» قد قال إنه «رفض» ثم اكتشف ـ عند مراجعته للنص ـ عدم دقة الكلمة، أم أنني الذي أخطأت في ترجمة ما قاله عند صياغتي له، بقدر ما عنيت بهذا الدرس المهني، وتعلمت منه أن أدقق في كل كلمة اكتبها لكي أتأكد أنها تعبر عن المعنى الذي أقصده وتصل إلى القارئ بالمعنى نفسه. وربما لهذا السبب تابعت باهتمام الضجة التي أثارتها عبارة وردت في الحوار الأخير الذي أجرته جريدة «الأهرام» مع «هيكل» ونشرته تحت عنوان «هيكل: المعلومات الموثقة تقدر أموال مبارك في الخارج بـ 9 إلى 11 مليار دولار». وكان «هيكل» يرد على سؤال حول تقييمه لدور الصحافة المصرية بعد الثورة، فانتقد ما ننشره لأن ما ينطوي عليه من «فضائح» تستهدف الإثارة وتثير الرعب، أكثر مما تنشره من أخبار تنطوي على معلومات وحقائق، ودلل على ذلك بما نشر عن ثروة الرئيس السابق حسني مبارك وأسرته، ومنها القول بأن له وديعة في بنك أمريكي تصل قيمتها إلى 860 مليار دولار، في حين أن أغنى أغنياء العالم ـ «جيتس» في أمريكا «وكارلوس» في «البرازيل» ـ لا تتجاوز ثروة كل منهما ما بين 50 و60 مليار دولار، وأن الدخل القومي المصري كله يبلغ 220 مليار دولار. ولم ينكر «هيكل» أنه كان هناك فساد واستغلال في عهد مبارك، ولكنه طالب كل من يقذف بالأرقام أن يراجعها أولا بالعقل والمنطق قبل القياس والحساب، ولكل حساب قواعد، وفي تطبيق هذه القاعدة قال «هيكل» إنه قرأ تقريرين، أحدهما للبنك الدولي، يتضمن معلومات تتوافق مع معلومات المخابرات المركزية الأمريكية، تقدر الأموال الموجودة بالخارج بين 9 و11 مليار دولار، والثاني لاتحاد البنوك السويسرية يقول إن حسابات 9 من أفراد عائلة مبارك في هذه البنوك، تقدر بـ ثلاثة أرباع مليار دولار، وأضاف أنه يذكر هذه المعلومات لأنها دقيقة ومسنودة، ولأن الحقيقة مزعجة بكل المقاييس، ولا تحتاج إلى المبالغات، بل تحتاج فقط، إلى الدقة، وإلى احترام النفس والآخرين! شيء آخر تتطلبه الحقيقة لم يذكره «هيكل» في حواره، هو أن يبذل الذين يسمعون مجهودا لسماعه كما قيل، وأن يبذل الذين يقرأون مجهودا، لقراءته بالدقة نفسها التي كتبه بها كاتبه، ولو أن ذلك قد حدث لما فهم بعضهم مما نشر على لسان «هيكل» أن لديه وثائق تثبت أن أرصدة مبارك في الخارج تتراوح بين 9 و11 مليار دولار، ولما طالبوه بأن يقدمها إلى جهاز الكسب غير المشروع، لكي تكون من بين أدلة الاتهام في التحقيق الذي يجريه معه، بتهمة استغلاله لنفوذه وتربحه من منصبه. وهي دعوة تلقفها رئيس الجهاز فأعلن في مؤتمر صحفي أنه سوف يستدعي «هيكل» لكي يسأله عن هذه الوثائق، ويطالبه بتقديمها. وذلك ما كان.. استدعى المحقق «هيكل» لكي يسأله عن هذه الوثائق، فأنكر أن يكون قد ذكر في حواره أن لديه وثائق، وقال إنه غير مسؤول عن العنوان الذي نشرته «الأهرام» وهو «هيكل: المعلومات الموثقة تقدر أموال مبارك في الخارج بـ 9 إلى 11 مليار دولار» ـ لأن وضع العنوان هو مسؤولية المحرر الذي أجرى الحوار، وأنه لم يقل ـ كما ذكر البعض ـ أن لديه «أدلة» على ذلك ولكنه ذكر أن لديه «معلومات موثوقة» وهي معلومات منشورة في دوريات دولية منشورة عن وكالات أنباء عالمية.. وأن مهمة التحقق من صحة ما فيها هي مهمة المحقق وليس مهمة الصحفي». وربما يكون اللبس قد حدث لأن «هيكل» تعود أن يكون دقيقا فيما يقول، ولأن الذين يقرأونه تعودوا أن يستخدم سلاح «الأرشيف» في وجه الذين يشككون في صحة ما يقول وما يكتب، فدقّ عليهم رؤية الخيط الرفيع بين قوله إن لديه «معلومات موثوقة» وبين أن لديه «أدلة» أو «وثائق» واعتبروا ما قاله فصل الخطاب في قضية ثروة مبارك، مع أنه ينقل مثلهم عن الصحف ووكالات الأنباء، التي لم يسمها، وليس بالضرورة أن يكون ما نشرته صحيحا، وقد تكون هذه المصادر «موثوقة» لدى «هيكل» وليست «موثوقة» لدى غيره، وقد تكون ـ من حيث المصداقية ـ لا تختلف عند الصحف المصرية التي قدرت ثروة «مبارك» بما يفوق دخل مصر القومي لمدة أربع سنوات.. وقد يكون السبب هو أننا نحن العرب نؤمن بالمثل الشعبي الذي يقول: «الكلام ليس عليه جمرك» أي أنه لا يكلف صاحبه شيئا، وهي قاعدة ينبغي أن تكون بين ما تهدمه الثورات، ولكن تجارب التاريخ تثبت أن الثورات ـ على العكس من ذلك ـ تؤكدها.. وتمارسها بإصرار شديد، وتستمتع بذلك أشد الاستمتاع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها