النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

وقــــرْنَ في بيوتكـــنّ

رابط مختصر
الثلاثاء 9 ربيع الاول 1431هـ العدد 7624

لديّ شعور بأنّ الميراث سيتمّ تقسيمه بالتساوي بين الذكور والإناث مستقبلاً، وسيغدو هذا الأمر واقعاً لا محيد عنه. وحين يجد خرّيجو الكليات الشرعية أنّ زمام هذا الأمر قد أفلت من أيديهم، ولم يعد مجدياً احتجاجهم ووقوفهم أمام الحركة الطبيعية لتطوّر الأنظمة والقوانين، سيلجأون إلى تأويل الآية “للذكر مثل حظّ الأنثيين” على اعتبار أنّها خاصة بمجتمع الرسالة والقرون الأولى، وسيردّدون أنّ الإسلام قد ساوى بين الرجل والمرأة منذ أربعة عشر قرناً ومن الطبيعي أن يتساووا كذلك في الميراث. الأمر ذاته حدث بالنسبة لتعليم المرأة وبالنسبة لعمل المرأة، فحين ظهرت الدعوة إلى منح المرأة حقّها في الحصول على التعليم بالمدارس والجامعات، وتلتها الدعوة إلى منح المرأة حقّها في العمل في جميع الميادين، انبرى المشايخ للتصدّي لهذه الدعوة، معتبرين أنها دعوة يروّجها الغربيّون والمتأثرون بالحضارة الغربية “الكافرة”، وليس لها هدف سوى هدم الأخلاق وإفساد المرأة وإبعادها عن دورها الحقيقي المتمثّل في الإنجاب والطبخ والغسل. وكان المشايخ يصفون أصحاب هذه الدعوة بالضلال والانحلال وربما بالكفر، لمخالفتهم لما يعتبرونه نصّاً صريحاً من نصوص القرآن الكريم قطعيّ الدلالة “وقرن في بيوتكنّ”، وما زلت أذكر فتوى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رئيس هيئة البحوث والإفتاء الأسبق في السعودية رحمه الله في هذا الموضوع حيث قال: “إن إخراج المرأة من بيتها الذي هو مملكتها ومنطلقها الحيوي في هذه الحياة إخراج لها عما تقتضيه فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها. فالدعوة إلى نزول المرأة إلى الميادين التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي، ومن أعظم آثاره الاختلاط الذي يعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع ويهدم قيمه وأخلاقه”. وبعد أن تحمّل أصحاب هذه الدعوة ما تحمّلوا، واستطاعوا أن يتجاوزوا معارضة المعارضين وفتاوى المفتين، افتتحت المدارس للبنات، وشرعت الجامعات أبوابها لاستقبال الخرّيجات، بل وأصبحت الفتيات أكثر تفوقاً من الفتيان في كثير من البلدان، ولم تعد هناك ابنة أو حفيدة من نسل المفتين والمشايخ المعارضين سابقاً لتعليم المرأة إلا ووجدت لها مقعداً في المدارس والجامعات. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل فتحت المؤسسات والشركات أبوابها أيضاً لعمل المرأة، ولم يعد هنالك مجال من المجالات إلا ودخلت المرأة به، وتفوّقت وأبدعت، وحتى أكثر النساء تشدّداً أصبحت تعمل إلى جانب الرجل. وحين وجد المشايخ والمفتون أنّ زمام الأمر قد أفلت من أيديهم وأنّ تعليم المرأة وعملها أصبحا واقعاً لا محيد عنه، وأنّ استمرارهم في الدعوة إلى منع المرأة من التعليم والعمل لن تجد لها آذاناً صاغية، لملموا أوراقهم ثانية، وانبروا لبيان أنّ الآية “وقرن في بيوتكنّ” خاصّة بنساء النبيّ عليه الصلاة والسلام، وأنّ الإسلام حثّ على تعليم المرأة منذ أربعة عشر قرناً، وأنّ الصحابيات كنّ يشاركن الرجال في الفعاليات الاجتماعية والسياسية، وأنّهنّ كنّ يعملن في الحقول ويساعدن الجرحى في الحروب. وفي اعتقادي أنّ مسألة حصول المرأة على نصف ما يحصل عليه الرجل في الميراث يشبه مسألة الرقّ. فالقرآن حين نزل لم يمنع الرقّ وإنما تعامل مع موضوع العبيد والجواري بحسب الوضع الاجتماعي الذي لم يكن يسمح بإلغائه، ولكن الإسلام كان يهيئ الأرضية لإنهاء الرقّ مستقبلاً، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول: “الناس سواسية كأسنان المشط”، والإمام علي بن أبي طالب يقول: “الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخَلْق”، وكثير من ممارسات الرسول والرعيل الأول كانت تدفع بهذا الاتجاه. غير أنّ المشايخ بعد ذلك لم يسيروا في اتجاه إلغاء الرقّ – الذي هو ممارسة منافية للإنسانية بامتياز – بل أصرّوا على إبقائها بحجّة أنّ الإسلام لم يمنع الرقّ، وبذلك لم يكن للمشايخ ولا المفتين فضل في إلغاء الرقّ بالدول العربية، بل كان الفضل للسلطة السياسية في تونس التي أصدرت أمراً قاطعاً في العام 1846م بإلغاء هذه الممارسة وتبعتها بعد ذلك بقية الدول العربية، رغم اعتراضات المشايخ حينها الذين اعتبروا أنّ السلطة قد خالفت الشريعة الإسلامية بتحريم ما أحلّه الله. أما اليوم، فإننا نقرأ الآيات المتعلّقة بالرقّ والعبيد والجواري وما ملكت اليمين، ونؤمن بأنّ هذه الأحكام كانت قد نزلت لمعالجة وضع اجتماعي على نحو مثالي، وأنّ هذه الأحكام قد تغيّرت وتبدّلت بحسب الظروف، ولا يوجد اليوم من يدعو إلى إعادة هذه الممارسة. ولا يمكن لأيّ امرأة اليوم أن تقبل أن يأتي لها زوجها بجارية قد اشتراها من سوق النخاسة، كما لا أتصوّر أنّ المرأة مستقبلاً قد ترضى بأن تحصل عن نصف نصيب الرجل في الميراث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها