النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عن الطائفية التي لم تدر رحاها هنا أو هناك

رابط مختصر
العدد 8002 الثلاثاء8 مارس 2011 الموافق 2 ربيع الثاني 1432هـ

هل يمكن أن أقول بأنّ المتسبّب في التوتّر الطائفي العنيف الذي تشهده البحرين هذه الأيام هو أحداث الرابع عشر من فبراير وما تلاها؟ هل يمكن أن أُلقي اللوم على أولئك المتجمعين في دوار اللؤلؤة؟ أم أرجع هذا التوتّر إلى المسيرة التي انطلقت من الفاتح في الجمعة التالية لمقتل عدد من المعتصمين والمتظاهرين؟ إنّ الذي يعتمل اليوم في صدور أبناء الطائفتين الكريمتين في بيوتهم، والذي كان الشرارة التي انطلقت منها مشاجرات طائفية في عدد من المجمعات السكنية وعدد من المدارس ليس وليد اللحظة، ولا يمكن أن يتسبّب حدث واحد مهما عظم شأنه في أن يُثير هذه الضغينة والكره لدى أبناء الوطن الواحد بمثل الذي رأيناه هذه الأيام وقرأناه في المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي وسمعناه من أحاديث هنا وهناك. إنّ الشقاق الحاصل اليوم بين أبناء الطائفتين الكريمتين والذي لا يمكن أن تحجبه الشعارات واللافتات الوطنية المرفوعة في كلّ تجمّع هو نتاج تراكم لأخطاء تسبّبت فيها أطراف عديدة، أوّلها التيارات الدينية التي تركت مهمّتها الأساسية في تهذيب الأخلاق وربط الإنسان بخالقه والتسامي فوق المادّيات ونزلت إلى الساحة السياسية لا كأحزاب دنيوية تحتمل تقديراتها الصواب والخطأ، ولكن كأحزاب ربّانية واجب على متّبعيها السمع والطاعة. ومن أجل تجميع الحشود حولها قامت باستحضار الخلافات التاريخية الضاربة في القدم وسخّرت كلّ طاقتها لكي ينفصل الأتباع عن واقعهم ويعيشوا في قرون صفّين والجمل والدولة الأموية والصفوية. وثاني الأسباب للتوتّر الطائفي هو إعلامنا الرسمي والأهلي، فصحفنا المحلية لم تستغلّ السقف المرتفع من الحرّية الممنوحة خلال سنوات الميثاق في رفع مستوى الوعي لدى الجمهور وفي تعزيز الوحدة الوطنية وتوحيد مطالب الشارع وردم الفجوة بين أبناء المذاهب المتعدّدة، بل سارت في الاتجاه المعاكس، فقد وجدت في هذه الحرّية أفقاً ممتدّاً من أجل التشرذم وطأفنة القضايا المجتمعية المجمع عليها، وعوضاً عن أن تكون هذه الصحف عوناً على تجنيب مجتمعنا الأزمات الطائفية أصبحت كثير من الأقلام فيها سبباً للتأزيم. وتلفزيوننا وإذاعتنا الرسمية وإن لم يكن لهما دور في سنوات الميثاق في بثّ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، إلا أنّهما لم يكونا يملكان أيّ خطّة لرفع مستوى الوعي بأهمية العيش المشترك واحترام كلّ الطوائف والملل وفي وضع الوطنية فوق أي اعتبار مذهبي أو ديني، ولم تكن الأغاني الوطنية التي يتمّ بثّها في العيد الوطني أو في ذكرى الميثاق أو بعد تحقيق أي إنجاز رياضي كافية لتحقيق هذا الوعي. وثالث الأسباب للتوتّر الطائفي هو تراجع الاهتمام بالدراسات الإنسانية، فالتركيز خلال السنوات الماضية في الدراسات الجامعية كان منصبّاً على التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، فكان الإقبال من خرّيجي المدارس على دراسة الهندسة وإدارة الأعمال والمحاسبة والتسويق ونظم المعلومات، وكان ذلك على حساب دراسة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والفكر والأدب والتاريخ، وكان من الطبيعي والأمر كذلك أن نرى ازدياداً كبيراً في عدد الحاصلين على الشهادات الأكاديمية الرفيعة، يوازيه انخفاض مُفزع في درجة الوعي بقضايا المواطنة واحترام المختلفين فكرياً ومذهبياً وضرورة تطهير الدين من دنس السياسة. ولا عجب والأمر كذلك أن ترى الدعوات الطائفية يتصدّرها الأكاديميون ويسندها المهندسون والتقنيون. وأكبر الأسباب في التوتّر الطائفي من وجهة نظري هو غياب النخب الفكرية والثقافية عن أداء دورها المطلوب منها في خلق جيل مثقّف جديد يؤمن بالتعددية الفكرية واحترام الآخرين، ويؤسس لمجتمع مؤمن بأنّ المواطنة ليست مجرّد امتداد تاريخي للفرد في بلده وإنما هي احترام للقانون والتزام بالمبادئ والقيم الوطنية، فالمهتمون بالفكر والثقافة والأدب في البحرين هم للأسف قسمان: قسم يملك المعرفة ولا يبذل الجهد الكافي لتسويق أفكاره ومبادئه ومعارفه، وقسم لم تستطع معارفه الضحلة أن تطهّره من رواسبه الدينية الإقصائية، ولكنه يملك طاقة كبيرة للتسويق لمعارفه المنقوصة ومبادئه المغلوطة وأفكاره المشوّشة، لتنشأ على يديه مخلوقات ثقافية مشوّهة، تثمر على يديها حركة ثقافية هي أقرب إلى المنابر الدينية منها إلى المنابر الثقافية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا