النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

تايوان كنموذج للدولة العلمانية متعددة الأديان

رابط مختصر
الأحد 7 ربيع الاول 1431هـ العدد 7622

كل من زار تايوان، لا بد وأن لاحظ انتشارالمعابد البوذية والكونفوشوسية والتاويستية جنبا إلى جنب مع الكنائس الكاثوليكية والبروتستانية والجوامع الإسلامية، بل و شاهد أيضا تردد معتنقي هذه الديانات على تلك المعابد في أجواء من السلام والطمأنينة المكفولة بقوة القانون، الأمر الذي لا يمكن ملاحظته في أراضي البر الصيني الشاسعة. وطبقا لمسح أجرته وزارة الداخلية التايوانية، وصلت أعداد تلك المعابد بمختلف تلاوينها في نهاية عام 2008 إلى عدد غير مسبوق هو 15 ألف معبد وكنيسة وجامع. أما المعهد القومي للعلوم في تايبيه الذي يصدر دراسات مشابهة كل خمس سنوات منذ عام 1984، فقد توصل في 2004 إلى نتيجة مفادها أن 90 بالمئة من الشعب التايواني يمارس طقوسه الدينية، و أن 30 بالمئة من هؤلاء باتوا يترددون على معابدهم مرة واحدة على الأقل كل شهر. وبطبيعة الحال فإن الحريات التي يكفلها نظام البلاد المرتكز على مبادئ العلمانية و أصول الديمقراطية التمثيلية، أتاح لسكان البلاد البالغ تعدادهم اليوم 23 مليون نسمة ممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة، مع منحهم إجازات رسمية لإقامة معابدهم الخاصة وتراخيص لإنشاء محطاتهم الفضائية الدينية وفق نظام عادل لا تمييز فيه أو محاباة لأصحاب العقيدة الغالبة وهم البوذيون الذين يشكلون نحو 24 بالمئة من إجمالي السكان. وبسبب من هذا، فإنه من النادر أن يسمع المرء في هذه البلاد عن شكوى مصدرها أصحاب الأقليات الدينية، أو عن محاولات من جانبهم لإنشاء ميليشيات وحركات إنفصالية، أو عن إحتجاجات ومصادمات طائفية، أو عن خروقات تمارسها السلطة ضد معتنق هذا الدين أو ذاك، الأمر الذي جعل تايوان في مقدمة الدول التي لا تضطهد أو تقوم بالتمييز ضد مواطنيها لأسباب دينية. على أن هذا المشهد الجميل في تجلياته ودلالاته جديد نسبيا، بمعنى أنه لم يظهر للعيان إلا مع عملية الانفتاح والتعددية السياسية التي بدأها الرئيس التايواني الثاني «تشيانغ تشيغ كو» ثم رسخها الرئيس التايواني الثالث «لي تينغ هوي» الموصوف بأول زعيم منتخب في تاريخ الصين القديم والحديث. فأثناء حقبة تطبيق قانون الأحكام العرفية ما بين عامي 1949 و1987 كانت علاقات السلطة مع الرموز الدينية مضطربة و تخلو من الثقة كنتيجة لمخاوف تايبيه من إحتمالات استغلال بكين للحريات الدينية في التجسس على الدولة التايوانية، وهو ما أدى إلى لجؤ تايبيه إلى تضييق الخناق على المنظمات الدينية والإجتماعية والخيرية وإخضاعها لمعايير صارمة، بل والزج ببعض رموزها في المعتقلات لآجال طويلة بحجة المحافظة على الأمن والنظام. من المعايير التي طبقت في تلك الحقبة ضرورة تسجيل المعابد البوذية والكونفوشوسية والتويستية ـ على وجه التحديد ـ لنفسها لدى السلطات المختصة قبل بدء أنشطتها. ولهذا السبب قيل ان أتباع التويستية أجبروا على العمل السري إلى أن منحوا حرية التحرك بدءا من أواخر الثمانينات. لكن على العكس من ذلك، اتخذت الكنيسة البروتستانتية مواقف حادة وصلبة لجهة حق أتباعها في المجاهرة بآرائهم السياسية ونشر مواقفهم في مطبوعات خاصة أو التعبير عنها من خلال أنشطة جماهيرية، على النحو الذي ظهر في دعم الكنيسة لحق لمواطنين التايوانيين في تحديد مستقبلهم، أي خلافا لسياسة حزب «الكومينتانغ» الحاكم الداعية إلى إستقلال تايوان. وإذا ما رجعنا إلى مسوحات وزارة الداخلية التايوانية لاتضح لنا وجود منحى متزايد لدى التايوانيين للتمسك بعقائدهم الدينية، لكن في ظل مشهد رائع من التسامح، بمعنى القبول بالآخر وعدم إضطهاده أوالتحرش به أو إهانة رموزه. والغريب في الأمر أن ذلك المنحى أكثر وضوحا ضمن الفئات العمرية الشابة أو من تقل أعمارهم عن 30 سنة. إضافة إلى هذه الحقيقة حفلت المسوحات المشار إليها بحقائق أخرى لها دلالاتها ومنها أن 7 % من المواطنين أو نحو 1.5 مليون نسمة كان في العام 2008 ملتزما، بدليل مواظبته على زيارة أماكن الصلاة والتعبد. ومنها أن أكثر هؤلاء مواظبة كانوا من معتنقي الديانة التاويستية (بنسبة 50.8 %) فمعتنقي البروتستانتية (بنسبة 25.3%) فمعتنقي الكاثوليكية (بنسبة 11.1 %) فمعتنقي الديانة البوذية (بنسبة 10.7 %). تاريخيا يعود دخول البوذية إلى تايوان إلى القرن 17، حينما وصل إليها المهاجرون الأوائل من إثنية الهان البوذية ومعهم مجاميع أخرى تدين بالديانة التويستية من جنوب شرق البر الصيني. وفي تاريخ مقارب دخلت المسيحية إلى البلاد على أيدي المبشرين الهولنديين والإسبان. غير أن النقلة الكبرى في تشكيل الخارطة الدينية للجزيرة جاءت مع تدافع اكثر من مليون نسمة من العسكريين والمدنيين نحوها في عام 1949 هربا من جحافل قوات «ماو تسي تونغ» الشيوعية. فكان لهذا التطور تداعيات إيجابية تجسدت في إثراء المجتمع التايواني ثقافيا، خصوصا مع وجود شخص مثل مؤسس البلاد الماريشال «تشيانغ كاي شيك» الذي تم تعميده كمسيحي قبل عشرين عاما من وصوله إلى سدة الحكم في تايبيه أي في عام 1929. ومن بين التداعيات الإيجابية الأخرى لذلك التطور والتي لا تزال ملموسة، ظهور جمعيات بوذية إلى جانب الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية، وقيام كل هذه الكيانات الدينية بلعب دور مساند لجهود الحكومة في توفير وتحسين الرعاية الاجتماعية. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى تقرير حديث ورد فيه أنه مع نهاية العام 2008 كانت تلك الكيانات الدينية تدير 24 مستشفى، و11 عيادة طبية، و26 بيتا للمتقاعدين، و27 معهدا للمعاقين في مختلف أرجاء تايوان، إضافة إلى مساهماتها الكبيرة في دعم بعض الكليات المختصة بتدريس الأديان، مثل مساهمة الكنيسة الكاثوليكية في دعم كلية الدراسات الدينية بجامعة «فو جين الكاثوليكية» والتي من أهم أهدافها تعزيز الحوار ما بين الكاثوليكية والديانات الأخرى. ومن ضمن من وصل في هذه الحقبة الحديثة نسبيا (1949) إلى تايوان هربا من الشيوعيين نحو عشرين ألف مسلم شكلوا نواة الجالية المسلمة التي تقدر اليوم بخمسين ألف نسمة وتتألف من الهوي والأتراك والأويغور والقازاق، ويتواجد هؤلاء تحديدا في العاصمة تايبيه وفي «كاوشيونغ» و«تشونغ لي» و«تايشونغ» حيث توجد في كل هذه المدن مساجد كبيرة تم بنيت بتبرعات سعودية. وهؤلاء، كغيرهم من أصحاب العقائد الدينية الأخرى، يتمتعون بأوضاع إجتماعية وإقتصادية جيدة، بل يمثلهم اليوم 27 عضوا في المجالس التشريعية. هذا ناهيك عن وجود جمعية لهم معترف بها رسميا تقوم بأنشطة متنوعة مثل إقامة الدروس الدينية في المساجد وتوفير دراسات صيفية لأبناء المسلمين، وادارة مكتبة إسلامية تحمل إسم العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز، وإصدار مجلة موسمية تدعى «لسان الحق»، وترجمة القرآن والكتب الإسلامية إلى اللغة الماندرينية. علاوة على الجمعية المشار إليها التي أطلق عليها إسم «الجمعية الإسلامية الصينية»، هناك مؤسسات وتنظيمات إسلامية أخرى تتبعها أو متفرعة عنها مثل «جمعية الشباب المسلم الصيني»، و«جمعية الثقافة الإسلامية الصينية»، ورابطة المسلمين الصينيين». ولم تسمح السلطات التايوانية لهذه الجمعيات بالعمل الحر فقط وإنما سمحت لها أيضا بدعوة وإستقبال وفود من العالم الإسلامي، وإرسال الطلبة والطالبات إلى جامعات الدول العربية و الإسلامية، أو توفير منح دراسية لهم للاتحاق بمركز دراسات الحضارة الإسلامية في جامعة «تشينغتشي» الوطنية التي تحتوي مكتبتها على مراجع إسلامية نادرة. مما سبق نرى أن العلمانية لم تقض على الأديان، ولم تؤلب الناس ضد معتقداتها الدينية، ولم تنشر الفسق والفجور والإنحلال، مثلما يزعم معظم رجال الدين في العالمين العربي والإسلامي، وإنما حمت الأديان وآخت بينها، ووفرت لإتباعها حرية العمل والتحرك دون تمييز، بل منحت الجميع فرصا متساوية للوصول إلى مختلف الوظائف الرسمية كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، فمنعت بذلك طغيان دين على آخر، أو إزدراء معتنقي هذا الدين لأتباع ذاك دين. على أن أغرب ما يلاحظه المتابع لجهة مواقف رجال الدين المسلمين من العلمانية هو أنهم يتحمسون لتطبيقها في البلاد ذات الأقليات المسلمة، ويقاومونها في البلاد ذات الأغلبية المسلمة. وبعبارة أخرى فإنهم يؤيدونها عندما تكون في صالح المسلمين، ويزدرونها حينما تكون في صالح الآخر غير المسلم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها