النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

قائمة «العار» وذهنية محاكم التفتيش

رابط مختصر
العدد 8000 الاحد 6 مارس 2011 الموافق 31 ربيع الأول 1432هـ

تابعت الصور والبيانات والشعارات وكل تفاصيل الأسماء والتضاريس السياسية الهادئة والمنفعلة وعناوين الخيام والفرح والأغاني وغليان طوفان الغضب في «يوم الغضب»، تابعت بكل حزن المشهد التراجيدي والدموي في المسافتين بين منطقة مسجد الفاتح ودوار اللؤلؤة، وتلمست الكوموتراجيديا عند بعض الساسة الذين صعدوا فوق المسرح الخشبي الصغير للخطابة، لكي ينثروا عباراتهم التي «شقت عنان السماء!!» حسب تعبير ماركس عن كومونة باريس، منتقدا بكل عمق ووعي انفلات تلك الثورة العمالية التي لا يمكنها السيطرة على تلك السموات اللامتناهية وهي قوة محدودة، تديرها فرق من قيادات عمالية متطرفة كما هو بلانكي وغيره، والذين كانوا يتحلون بذهنية تآمرية في عملهم السياسي فاستحق كل بلانكي النزعة وفق الأدبيات الماركسية التاريخية بطل الفوضوية والتآمرية ورائدها دون منازع. أعجبتني هناك أمورا كثيرة وروحا إنسانية وحماسا شبابيا مشروعا، وانضباطا نسبيا تسربت من بين أصابعه، تلك الأمور التي كثيرا ما تسقط الاحتجاجات والانتفاضات والثورات في التاريخ في فخ الانفعال والتهور والذهاب بعيدا بأكثر مما يمكنها السيطرة عليه، ففي مجال مفتوح للجميع تخون تلك القوى الشبابية المنظمة حالة الالتباس، فتهيمن على مشاعرها حالة النشوة بل والغرور المتمادي بفعل غياب الخبرة السياسية والفهم التكتيكي والإعلامي والسياسي لمشروعها الذي تنادت من اجله في منتصف فبراير، محاولة تلك الجماعات والجماهير الشبابية الغاضبة استنساخ تجربة ميدان التحرير، وبعض من تجارب متناثرة هنا وهناك من تونس ولبنان وإيران، فنحن اليوم في زمن الاتصالات السريعة والفيس بوك والتويتر، ولكننا نسينا ان المسافة بين الفيس بوك «والفيس تو فيس» شاسعة فليس المواجهة على الأرض مثل المواجهة والتحريض على الفيس بوك. اللعبة بين الاثنتين مختلفة وبحاجة إلى نوع من الحكمة والدراية والتفكر، لذا حدثت كارثة تلك الليلة المشئومة في تاريخنا الوطني. وقد كنا نخشى من مغامرة الذهاب إلى الدوار بعد سقوط شهيدين من شباب الوطن، فارتفع شعار الدوار نحو «عنان السماء» بالانتقال من شعار إصلاح النظام إلى إسقاط النظام، وكأنها مسافة سياسية ضيقة تحددها الانفعالات وليس توازن القوى والصراع بين الأطراف ومدى استعداد المزاج العام للدخول في حالة تجاذب بين حماس ورغبة شباب الدوار واستعداد السلطة وقدرتها على ضبط أعصابها ونفسها بعدم الدخول في تشابك مفرط يضع الجميع في حالة اللارجوع، لولا شعور الطرفين إن الشد والجذب من خلال خطاب القوة خسارته فادحة، ومن الضروري الدخول في منطقة الحياد والتهدئة استعدادا للحوار المنتظر والمتوقع. في هذه الأجواء المنفلتة وصلني ملصق غريب بكل معانيه أطلق عليه شباب «الغضب» والثورة!! بقائمة العار. حسبتهم فوجدتهم 25 شخصا مع عبارات العمالة وبان أصحابها يقبضون حفنة من الدنانير مقابل دفاعهم عن النظام، بل وأشاروا الى أن القائمة تزيد. والمثير في تلك القائمة انها احتوت مهناً مختلفة غالبيتهم من جمعية الصحفيين، ولهذا يهمني الدفاع عنهم تاركا أمر الآخرين في الدفاع عن أنفسهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، رغم إنني لا أرى سببا لصدور مثل هذا الملصق الذي في مدلوله يعزز الكراهية والحقد، ويبرهن على ان ديمقراطيتنا هشة، فهي لا تجيز لأحد حق الاختلاف والخلاف، ولا تسمح لحرية التعبير واتخاذ مواقف مغايرة عنك، فهي تصنفك في النهاية في خانة الأعداء، حتى وإن كان من حق المواطن، الاتفاق والاختلاف في شرعية الإيمان والاقتناع فيما يريد، فحقه في تأييد النظام مثل حقه في معارضة النظام، وإلا كانت ادعاءاتنا عن الديمقراطية وحرية التعبير كاذبة وملتبسة سياسيا على من يحملها. من صاغوا ورتبوا وأجازوا وحرضوا لمثل هذه القائمة والملصق، يعّرضون أنفسهم للمساءلة القانونية، لكونها قذف بالأشخاص والتحريض ضدهم، ومن حق تلك الأسماء تشكيل قضية قانونية تدافع فيها جمعية الصحفيين عن أعضائها تحت شعار حرية التعبير المكفولة للجميع ودون استثناء، حق الاختلاف من ضمن تلك الحريات حق مقدس في اللعبة الديمقراطية. لهذا أجد أن أعضاء جمعية الصحفيين والكتاب وغيرهم معنيون بالدفاع عن زملائهم، بمثل ما هم معنيون بإدانة العنف والدم المراق من أبناء شعبنا وشبابه، فإنهم في الوقت نفسه معنيون في رفض وإدانة هذا النهج العدواني الذي يذكّرنا بروح وذهنية محاكم التفتيش والحقبة المكارثية في أمريكا وقوائمها السوداء. من حق كل صحفي ومواطن يمتهن مهنا مختلفة وفكرا مختلفا، أن يحظى بحق الكرامة والاحترام، في وطننا مهما اختلفنا، فروح التسامح والتوافق والاختلاف التي نثيرها ليلا ونهارا، علينا حمايتها بصورة مبدئية ودون قناع وازدواجية. من لصقوا ملصقا من هذا الطراز نتيجة الانفعال وغياب روح المسؤولية، معنيون بالاعتذار على اقل تقدير لكل من وردت أسماؤهم، فمن اختلف معه له حق ومن اتفق معه له حق، هذا إذا كنا فعلا نؤسس لديمقراطية قادمة وفتية، ونستعد لتطوير دولة القانون والمواطنة الحقة واحترام كرامة الإنسان البحريني. أخيرا اذكّر الشبيبة بكافة تلاوينها، والعزيزة على قلبي، أن تتعلم قاعدة مهمة تتعلق بمبدأ ومصطلح الثورة والوعي بها، فهي في النهاية ليست لعبة عابرة ونزوة عاجلة، وإنما أعمق واعقد بكثير مما نتخيل، حيث من مارسوا التهييج والتصعيد دون حسبان مداه، عليهم هم وحدهم تقع مسؤولية تشذيب طهرانية الشباب من الانزلاق نحو التطرف والمغالاة، لكون الشباب يبدؤون أولا بالتضحية، ولكنهم لا ينتهون في النهاية إلا بخروجهم من البوابة الخلفية خاوي الوفاض، وسامهم الوحيد هو وسام الشهادة، حيث الساسة هناك في القاعات المغلقة سيجنون ثمار الجنة الموعودة على الأرض! استعيد محنة بوريس باسترناك المتهم بأنه خائن ومرتد والغريب عن الشعب، حين قال واصفا حاله: «العقل مختنق والأفق والأفكار بلون التبغ».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها