النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

ما أشبه الليلة بالبارحة

رابط مختصر
العدد 7998 الجمعة 4 مارس 2011 الموافق 29 ربيع الأول 1432هـ

إحدى أهم الظواهر الصحفية والتليفزيونية المصرية بعد 11 فبراير 2011, وهو اليوم الذي تخلى فيه الرئيس حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية، يتمثل في ذلك الفيض من الأخبار والأحاديث والتعليقات التي تكشف عن وقائع فساد مالي وإداري، كان يمارسه أقطاب ما بات يعرف الآن بـ العهد البائد‏!‏ ولأن العهود البائدة في تاريخ مصر المعاصر كثيرة، ولأنني عاصرت إبادة بعضها، وقرأت عما لم أعاصره منها، وشغفت بقراءة كل ما نشرته الصحف عن كل منها فور إبادته، فقد تابعت ـ ومازلت ـ أتابع ما تنشره الصحف عن آخر العهود المصرية التي حصلت على لقب العهد البائد واحتفظت به، ليكون بعض مصادر كتاب أفكر في أن أؤلفه بعنوان ما أشبه الليلة بالبارحة‏.‏ وعلى العكس من العهد البائد الأخير الذي فتحت ملفات فساده بمجرد إبادته، فإن ملفات فساد العهد البائد السابق عليه مباشرة، و هو عهد الرئيس الراحل أنور السادات، لم تفتح إلا في أكتوبر 1982, وبعد أيام من الذكرى الأولى لرحيله، حين التقى الرئيس مبارك والمرحوم عصمت السادات، وهو الأخ الأكبر للرئيس السادات، عند مدفن السادات، وقال له ما معناه، إن رائحته فاحت، وفهم عصمت من ذلك أن هناك ملفات تخصه قد عرضت على الرئيس، وهو ما تحقق بعد أيام، إذ قبض عليه، وقدم إلى المدعي العام الاشتراكي، الذي حقق معه، في اتهامات عديدة، تتعلق باستغلال نفوذ شقيقه للثراء غير المشروع، ثم قدمه إلى محكمة القيم لمحاكمته، التي استغرقت أسابيع، استمعت فيها المحكمة إلى أقوال الشهود، وسط اهتمام جماهيري واسع، دفع الصحف لتخصيص مساحات واسعة، لنشر وقائع المحاكمة، ونشر ما كانت تتلقاه من وقائع أخرى عن فساد المتهم، لم ترد في قرار الاتهام، وعن فساد آخرين من أسرة السادات، لم يقدموا للمحاكمة، التي انتهت بحبس عصمت السادات، ووضع أمواله تحت الحراسة‏.‏ ولم يتبق من هذه المحاكمة، سوى عدة كتب تضم وقائعها مازلت أحتفظ بها في مكتبتي، فبعد شهور من انتهائها، أفرج عن عصمت السادات، لأسباب صحية، وقال أبناؤه فيما بعد، إنه كان ضحية مؤامرة للإيقاع بين الرئيس مبارك، وبين عائلة سلفه الذي اختاره نائبا له، وأن المحاكم العادية لم تجد فيما نسب إليه، ما يدعو إلى محاكمته وأن الحراسة على أمواله قد ألغيت بعد ذلك، ولم يستفد منها سوى صحف المعارضة التي توسعت في نشر وقائع الفساد المنسوبة للعهد البائد، ومنها جريدة الأهالي ـ التي كنت أدير تحريرها آنذاك ـ إذ ارتفع توزيعها إلى الضعف وتجاوز 160 ألف نسخة، وهو رقم كبير جدا آنذاك‏.‏ لكن زميلي في إدارة التحرير، وهو أستاذنا الراحل محمد سيد أحمد كان من رأيه أن المستفيد الأول من فتح ملف فساد أسرة السادات، هو الرئيس مبارك، الذي أعطى بذلك إشارة إلى أن عهده سيختلف عن عهد سلفه، وأنه حريص على أن يؤكد أنه سيحارب الفساد، ولن يتهاون مع أي فاسد مهما كان وضعه، وأضاف أن ما فعله مبارك، هو ثورة التصحيح الثانية، بعد ثورة التصحيح الأولى التي قادها أنور السادات نفسه في 15 مايو 1971‏. وكانت ثورة التصحيح التي قادها السادات، هي التي فتحت ملفات الفساد والقهر التي وقعت في العهد الناصري، بعد ثمانية أشهر من رحيل عبدالناصر، عن الدنيا، نجح خلالها السادات في التخلص من منافسيه على السلطة من بقية ورثة عبدالناصر، الذين أطلق عليهم وصف مراكز القوى وقادهم من كراسي الحكم إلى قفص الاتهام، أمام محكمة ثورة حكمت عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، وإحالتهم إلى محكمة القيم بتهمة استغلال النفوذ والثراء غير المشروع، ولكن المحكمة فوجئت بأنهم لا يملكون شيئا يستحق المصادرة أو الوضع تحت الحراسة، وكان السادات أول الذين استفادوا سياسيا من ذلك، إذ أعطى بما فعله إشارة إلى أن عهده سوف يختلف عن العهد البائد، وإلى أنه سيكون رئيسا ديمقراطيا، لا يعتقل فيه أحد بسبب رأيه، ولا يقتحم فيه زوار الفجر المنازل، ولا يفصل فيه الموظفون عن غير الطريق التأديبي ولا يسمح فيه لفاسد بأن يتولى منصبا رفيعا، أو يمد يده إلى المال العام‏.‏ وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ، اغتيل السادات، لأسباب من بينها أنه اعتقل 1981 من المصريين ينتمون إلى كل الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية، لأنهم كانوا يعارضونه، وبعد عام آخر كان خليفته يقدم شقيقه للمحكمة بتهمة استغلال النفوذ والفساد‏.‏ ووصف مراكز القوى هو الوصف الذي أطلقه عبدالناصر على شريكه في السلطة، والقائد العام لجيشه المشير عبدالحكيم عامر، وعلى الحاشية التي تحيط به، من جنرالات الجيش والمدنيين، الذين تسببوا في ثلاث هزائم كبيرة تعرضت لها مصر، هي هزيمة 1956, والانقلاب الذي فكك الوحدة المصرية ـ السورية عام 1961, وهزيمة 1967 التي لولاها لما تمكن عبدالناصر من إزاحة المشير عامر عن قيادة القوات المسلحة، ثم القبض عليه تمهيدا لمحاكمته، لولا أنه غادر الدنيا في حادث غامض، قيل إنه انتحار، وقيل إنه قتل، بعد أن حصل على جائزة العهد البائد‏!‏ وكان اللواء محمد نجيب، ـ القائد الواجهة لثورة 23 يوليو 1952 ـ هو أول الذين حصلوا على لقب العهد البائد بعد الثورة، إذ لم يكن قد مر على استيلاء الضباط الأحرار على الحكم، سوى أقل من عامين حين وصل الصراع بينه وبين بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة، إلى ذروته، فقرر تقديم استقالته، وقبلها مجلس القيادة، وشن عليه حملة صحفية تتهمه بالديكتاتورية والتسلط وإساءة استغلال السلطة، ومع أن الأزمة حلت، وعاد إلى منصبه، إلا أنه عزل منه بعد شهور، بعد اتهامه بالتواطؤ مع الإخوان المسلمين، في التخطيط لاغتيال عبدالناصر عام 1954, وظل محدد الإقامة لمدة ثمانية عشر عاما‏!‏ وكان الملك فاروق، هو أول الذين حصلوا على وصف العهد البائد إذ ما كاد يعزل عن العرش في 26 يوليو 1952, حتى تسابقت الصحف بما في ذلك الصحف التي كانت تمدحه حتى قبل أيام من عزله، في نشر فضائح الفساد المالي والإداري والسياسي والخلقي الذي حدث في عهده، وبعد ذلك بسنوات كان الذين منحوه وسام العهد البائد يقفون معه في طابور الذين يحملون الوسام نفسه، ثم جاء بعدهم من منحهم نفس الوسام، وطوال الوقت كنت أتابع ما تنشره الصحف عن فضائح العهد البائد، فلا أجد فيما أقرؤه شيئا جديدا أو مختلفا عما قرأته قبل ذلك، وأحلم أن أعيش حتى يأتي الوقت الذي يتخلى فيه العهد عن السلطة لأن هذه هي إرادة الناخب، وألا يصر على البقاء، وكأنه حريص على ألا يغادر دون أن يحصل على وسام العهد البائد، لذلك أكتفي بأن أقول‏: ما أشبه الليلة بالبارحة‏..‏‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها