النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10911 الجمعة 22 فبراير 2019 الموافق 17 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

تفاعلات المشهد السياسي المصري

رابط مختصر
العدد 7991 الجمعة 25 فبراير 2011 الموافق 22 ربيع الأول 1432هـ

عاد الجيش المصري ليتصدر المشهد السياسي المصري، بعد أن تخلى الرئيس مبارك عن رئاسة الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون الدولة، وهذه هي المرة الأولى منذ عام 1954, التي يعود فيها الجيش إلى صدارة المشهد السياسي المصري طوال أكثر من نصف قرن، في خلفية المشهد، ليلقي بظله على كل من يتصدره.‏ ومنذ تأسس عام 1820, في عهد محمد علي باشا، كان الجيش المصري هو الرافعة الأساسية لمشروع النهضة المصرية، إذ كان الطموح إلى تأسيس جيش مصري عصري طبقا لـ النظامات الأورباوية ليحل محل جماعات المرتزقة المسلحة، التي كان يقودها أمراء المماليك، هي دفعت محمد علي إلى إرسال البعثات إلى أوروبا، لكي تتعلم الجندية وما يتصل بها من فنون وعلوم، ليعود طلابها من أبناء الفلاحين المصريين ليؤسسوا مدارس عسكرية ومدنية لتعليم الطب والصيدلة والمحاسبة والإدارة والعلوم السياسية واللغات والهندسة والموسيقى العسكرية، ومصانع للبنادق والبارود والنسيج والسفن والسكر والطرابيش، وخاض محمد علي بهذا الجيش حروبا مظفرة، في الجزيرة العربية والسودان واليونان وسوريا وتركيا، وخاض به حفيده الخديو إسماعيل حروبا مماثلة في السودان والحبشة و‏الجزيرة العربية، وكريت و‏البلقان، لينهي بذلك قرونا من الحكم المملوكي، التي سادها تقسيم شرير للأدوار، يحرم علي المصريين حمل السلاح، ليتفرغوا فقط للزراعة والصناعة والعمارة والفنون، و‏يحتكر المماليك صناعة وتجارة وحمل السلاح.‏ ولم يكن قد مر على الحلقة الأولى من الثورة الوطنية التي قادها التجار والحرفيون وطلبة الأزهر، في مواجهة الغزو الفرنسي، وأسفرت عن تولي محمد علي حكم مصر بإرادة الشعب، سوى ثمانية عقود، حين تزعم قائد عسكري من أصول فلاحية هو أحمد عرابي باشا الحلقة الثانية من هذه الثورة، التي بدأت بمظاهرة عسكرية أحاطت بقصر الخديو، لتطالب بتمصير القيادة العليا للجيش، وزيادة عدد، و‏‏إنشاء مجلس للنواب، وإنهاء النفوذ الأجنبي في البلاد، لتنضم إليها جماهير المصريين، وتخوض المعركة تحت قيادة ما وصف آنذاك، بأنه الحزب العسكري من أجل الاستقلال والديمقراطية.‏ وكما انتهت محاولة محمد علي لبناء مشروع النهضة بقيادة الجيش، بتكتل الدول الأوروبية ضده، لتهزمه عسكريا، وتفرض عليه وعلي خلفائه ألا يرفعوا عدد أفراد الجيش عن 18 ألفا، فقد انتهت محاولة إسماعيل لاستكمال مشروع النهضة بتكتل هذه الدول ضده، لتعزله عن العرش، وانتهت محاولة عرابي بأن فوضت الدول الأوروبية الجيش البريطاني بالتدخل لإجهاض الثورة، واحتلال مصر، ليكون أول ما فعلته بعد الاحتلال، هو حل الجيش المصري وإعادة تشكيله تحت سيطرة بريطانية كاملة.‏ وبعد سبعين عاما أخرى وقعت خلالها عام 1919, الحلقة الثالثة من الثورة الوطنية الديمقراطية، بقيادة المدنيين ومن دون مشاركة الجيش، عاد الجيش عام 1952, ليتصدر المشهد السياسي المصري، بعد أن استفاد عدد من أبناء الشرائح الصغري من الطبقة الوسطي، من توقيع معاهدة 1936, التي خففت من السيطرة البريطانية على الجيش، ومن رغبة بريطانيا في زيادة عدده، لمواجهة احتمالات نشوب الحرب العالمية الثانية، فدخلوا إلى الكلية الحربية، التي كان دخولها قبل ذلك مقصورا على أبناء الطبقات الارستقراطية وتأثروا بالحركة الوطنية التي انتعشت بعد الحرب العالمية الثانية، فشكلوا التنظيم الذي قام بثورة 1952. وهكذا عاد الجيش مرة أخرى، بعد ثورة عرابي ليتصدر المشهد السياسي، ليقع الخلاف بين جناح من مجلس قيادة الثورة، تؤيده القوي الديمقراطية والراديكالية، التي مهدت الطريق لانتصارها، يدعو إلى عودة الجيش إلى ثكناته وتسليم الحكم للمدنيين، وإقامة ديمقراطية جديدة، وبين جناح آخر من المجلس، يؤيده قسم ملحوظ من القوي المدنية، يرى أن العهد الليبرالي في مصر 1919/1952 قد فشل في إنجاز مهام تحقيق الاستقلال الوطني، وتنمية الاقتصاد، وأضاع الوقت في صراع حزبي عقيم على الحكم، وأن البلاد المستعمرة وشبه المستعمرة مثل مصر، ليست في حاجة إلى جدل ديمقراطي علي النمط البيزنطي، لكنها في حاجة إلى حكم قوي يقوده مستبد عادل يستكمل تحقيق استقلالها ويخلصها من الإقطاع ويقفز بها فوق فجوة التخلف، ويرفع مستوي معيشة شعبها.‏ وحين وصل الصراع بين الاتجاهين إلى ذروته أثناء أزمة مارس 1954, حتي كاد يؤدي إلى مواجهة بين أسلحة الجيش، لولا أن الجناح المؤيد للرأي الثاني من أسلحة القوات المسلحة، قد حسم المعركة لصالحه، ليغادر أنصار التيار الأول الساحة العسكرية والمدنية، إلى المنافي والمعتقلات والوظائف المدنية، ويتحولون إلى معارضة مكتومة لا تستطيع أن تجهر برأيها.‏ ومع أن الجيش قد تراجع نظريا إلى خلفية المشهد السياسي منذ انتهاء فترة الانتقال، وإعلان الدستور، وحل مجلس قيادة الثورة، وانتخاب جمال عبدالناصر رئيسا للجمهورية عام 1952, إلا أنه ظل ماثلا طوال الوقت، بسبب تقاسم دور المستبد العادل بين جمال عبدالناصر، الذي اعتمد على جماهيريته الكاسحة في مصر والعالم العربي والعالم، وعبدالحكيم عامر، صديقه الحميم، الذي اختاره لكي يقود القوات المسلحة ويضمن ولاءها لأهداف الثورة، ولقيادتها، ويحول دون قيام أحد المغامرين من قادتها بانقلاب عسكري، فإذا به يتخذ من جماهيريته بين أفراد الجيش وسيلة كي يتحول من صديق للزعيم إلى منافس له على الزعامة، ومن الرجل الثاني إلى الرجل الأول مكرر‏.‏ ودفعت مصر ثمنا فادحا لهذا الصراع، إذ رفض عبدالحكيم عامر أن يتخلى عن معاونيه من القادة العسكريين المسئولين عن هزيمة 1956, وعن انفصال سوريا عن مصر عام 1961, وهدد أكثر من مرة بالقيام بانقلاب عسكري إلى أن أجبر على ترك قيادة القوات المسلحة بعد هزيمة 1967, فحاول القيام بانقلاب يعيده إلى مكانه، انتهي بالفشل، ثم برحيله عن الدنيا.‏ وفي الفترة الأخيرة من عهد عبدالناصر، حاول أن يعيد الجيش ليكون مؤسسة مهنية يديرها عسكريون أكفاء لا ظل سياسيا لهم، وكان إحداث توازن بين دور الجيش في السياسة، وبين السلطة المدنية، هو الذي دفع خليفته أنور السادات لإعادة التعددية الحزبية إلي مصر، إذ كان يرى أن ظل الجيش على السياسة المصرية، سيظل قائما لسنوات طويلة قادمة، وأن من الحكمة أن يطلق العنان لقوى سياسية مدنية يمكن أن تشكل توازنا يحول دون عودة الجيش لتصدر المشهد السياسي من جديد.‏ أما المؤكد فهو أن الجيش المصري هو أحد الأركان المهمة للبناء السياسي المصري منذ عام 1952, وأنه كان صاحب رأي مؤثر، وربما حاسم، في اتخاذ القرارات السياسية المهمة، التي صدرت في عهود عبدالناصر والسادات ومبارك، أما الجديد في التطورات الأخيرة التي انتهت بتخلي الرئيس مبارك عن الحكم ليعهد للجيش بإدارة شؤون البلاد، فهو أن الجيش قد انتقل من خلفية المشهد السياسي إلى مقدمته، ليتصدر خشبة المسرح، تكاد تخلو من لاعبين آخرين، اللهم إلا قوى متناثرة باستثناءات قليلة.‏ وهو مشهد يتطلب متابعة دقيقة لتفاعلاته التي يصعب التنبؤ بها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها