النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

مصر و العالم العربي بعد مبارك

رابط مختصر
العدد 7991 الجمعة 25 فبراير 2011 الموافق 22 ربيع الأول 1432هـ

منذ ان قام الشعب التونسي بانتفاضته من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد والمحسوبية فسقط النظام ورحل الرئيس بن علي سريعاً وحتى قيام الشعب المصري بانتفاضة 25 يناير وما تلاها من اعتصامات بميدان التحرير شلت الحياة السياسية والاقتصادية ودفعت الرئيس مبارك للتنحي وتسليم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أصبح حاضناً وضامناً للانتقال السلمي للسلطة، لا حديث في الساحة إلا عن التغيير ورياحه وأمواجه وامتداداته إلى الدول الأخرى المرشحة لعدوى التغيير «العدوى التونسية» كانت شديدة التأثير والفعالية، حركت الشباب المصري لمواجهة النظام وكسرت حاجز الخوف فشهد العالم على امتداد 18 يوماً مشهداً فريداً لآلاف الشباب المعتصم في ميدان التحرير ليلاً ونهاراً لا يبالون ببرد أو مطر، لا يستسلمون ولا يناورون، يصرون على اسقاط النظام ورحيل الرئيس، ومع أن القيادة السياسية استجابت لمطالبهم لكنها كانت تأتي متأخرة بعد أن تكون الأحداث تجاوزتها إلى مطالب أخرى، لم يفك الشباب اعتصامهم إلا بعد تنحي مبارك وتعهد الجيش بضمان التغيير، لقد انفتح الباب الذهبي للتغيير وها هم اليوم الشباب اليمني يطالبون رئيسهم الذي يحكم منذ 32 عاماً بالرحيل، وفي الجزائر تمنع قوات الأمن مسيرة تطالب بالتغيير وفي ايران تقمع الشرطة المعارضة وتعتقل العشرات وتشتبك مع المتظاهرين في ميدان آزادي «الحرية» وفي العراق تمتد المظاهرات من الرمادي إلى الفلوجة ضد الفساد والمحسوبية، وتصل العدوى أخيراً إلى البحرين، الدول الخليجية، ولكن بشكل مؤسف، حيث اعتصمت المعارضة الشيعية في أحد ميادين العاصمة متحدية النظام لكنه كان اعتصاماً مسلحاً خطراً استدعى تدخل الأمن وراح ضحيته قتلى وجرحى من الجانبين، رياح التغيير تهب على الشرق الأوسط ولا يوجد نظام عربي بمنأى عنها والحكومات تتفاوت في أساليب مواجهتها، هناك من يستبق الأحداث ويأخذ زمام المبادرة ويجري بعض الاصلاحات التي من شأنها الاحتواء أو التنفيس عن الانسدادات، وهذا من بركات اعتصامات ميدان التحرير، فقد وجدنا الرئيس اليمني يعلن أنه لن يرشح نفسه ولن يورث الحكم وتعهد بإصلاحات ودعا المعارضة للحوار ويكلف الملك عبد الله الحكومة الأردنية الجديدة بوضع آلية لإطلاق حوار وطني تتمثل فيه كافة مكونات المجتمع للتوافق على قانون انتخابي وفي الجزائر يأمر الرئيس الجزائري الحكومة بإعداد قانون لرفع حالة الطوارئ المفروضة منذ 19 عاماً ويوجه وسائل الإعلام للانفتاح على المعارضة، وترفع دمشق الحجب عن الفيس بوك وتسابق ليبيا الزمن لإجهاض ثورة غضب محتملة وتفرج عن سجناء إسلاميين وتعلن الحكومة المغربية تبنيها المطالب الاقتصادية والسياسية للشباب وترفع موازنة صندوق دعم الوارد الأساسية إلى 4 مليارات وهناك حديث عن فتح الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر منذ 1994 وفي رام الله يقوم الشباب الفلسطيني بإطلاق حملات على الفيس بوك للدعوة لإنهاء الانقسام الفلسطيني عبر مسيرة شعبية، لكن هناك حكومات لازالت تناور وتصرف أنظار شعبها وتشغلهم بالمؤامرات الخارجية وتدغدغ عواطفهم بالشعارات النضالية، السعيد من استوعب الدرس واتعظ بالغير، لقد كان سقوط النظام المصري الراسخ كالرواسي من الأحلام لكنه حصل وفعلها الشباب، لذلك لا يمكن لنظام أن يستمر في دفن رأسه معتقداً أنه بمنأى عما يحصل في الساحة ويتجاهل موجة التغييرات المعبرة عن تطلعات الجيل الجديد إلى مجتمع أكثر عدالة وحرية وتكافؤ فرص، العالم اليوم أصبح متواصلاً بشكل كثيف ولا أحد يقنع بوضع الجمود والإنسداد، لكن التحديات ضخمه أمام هؤلاء الذين ينادون بالتغيير فمن السهل أن تهدم لكن البناء صعب في ظل معوقات وموروثات مستحكمة، يقول خليل حيدر نقلاً عن الطرابيشي: إن جميع البرامج التي تمت تحت شعار «اسقاط الأنظمة» أدت إلى أنظمة أكثر سوءاً! وهذا هو المنزلق الخطر أمام قوى التغيير، التساؤل المطروح اليوم: هل تحقق مطالب التغيير الاهداف والتطلعات المنشودة أم تنحسر دون تحقيق مضامين حقيقية تتجسد في تعددية سياسية وعدالة اجتماعية ونهضة اقتصادية تنتشل ملايين الفقراء من وضعهم السيئ؟ لعلنا لم ننس بعد أيام الرئيس بوش حين اجتاحت المنطقة موجة من مبادرات الإصلاح وانشغلت المنطقة بجدلية: الإصلاح بيدنا أو بيد عمرو! ثم تلاشت الجهود وفترت الحماسة وراحت الفورة وانتهت إلى «لا شيء» وقيل في تفسير ذلك: ان الإصلاح لا يمكن فرضه من الخارج! حسناً، ها هي المطالب الإصلاحية ـ هذه المرة ـ تنبع من الداخل، من شبابنا الذين سئموا وضجروا من جمودنا ومخاوفنا وأوهامنا، فهل نكون عوناً لهم إلى مستقبل أفضل لنا و لهم أم نحبطهم ونعوق تطلعاتهم؟! يبقى تساؤل آخر: ما طبيعة التغيرات المطلوبة، في مصر على سبيل المثال؟ هناك مطلبان يترددان كثيراً عبر الإعلام، هما: الأول: عودة الديمقراطية: يبدو أن الجميع متفق على أن المطلب الشعبي الأول هو تحقيق الديمقراطية، ويعلق البعض آمالاً كبيرة عليها، يقول د. شملان «إن العرب ـ بسقوط النظام المصري ـ بدأوا دخول مرحلة التحول الديمقراطي» لكنه يحذر من الاستنتاجات المتسرعة ويراهن البعض على أن نجاح ديمقراطية مصر له تأثيرات غلابة على كافة الدول العربية بإعتبار أن مصر هي القلب السياسي والثقافي للعالم العربي فإذا صلحت صلح العالم العربي وإذا فسدت فسد العالم العربي، الغرب وأمريكا يستبشرون بالتحول الديمقراطي في مصر بل حتى بعض الكتاب في إسرائيل يرون في ذلك مصلحة لها، وهكذا أصبح الجميع فجأة يؤيدون الديمقراطية، وحدها «الصين» قالت: الديمقراطية الغربية لا تصلح لنا والثورة في مصر قد تأتي بقلاقل سياسية واقتصادية، وهناك اليوم طبقاً للراشد أكثر من 120 دولة ديمقراطية أقل من نصفها فعلاً ديمقراطي، والعالم العربي سمع بالديمقراطية منذ 50 عاماً وبيعت له ضمن الوعود الكاذبة لكنه لم يمارسها حتى اليوم، ومع إن عدداً من الدول العربية عرفت ديمقراطية جزئية إلا أن الأغلبية البرلمانية في تلك الدول استخدمت الديمقراطية لمصادرة الحريات ومنع الكتب والأعمال السينمائية، وأضيف إلى ذلك: إن المجتمع المصري شهد ازدهاراً ديمقراطياً في العهد الملكي وفي ظل المحتل الأجنبي لكنه تم إجهاضه بيد العسكر 1952 دون أية مقاومة مجتمعية دفاعاً عن الديمقراطية، يرجع البعض ما حصل إلى أن شجرة الديمقراطية لم تمد جذورها لتترسخ في التربة المجتمعية فسهل على العسكر اقتلاعها، لأن التجربة الديمقراطية في مصر اقتصرت عى الجانب السياسي فحسب من دستور وبرلمان وانتخابات وأحزاب وصحف حرة ولم تواكبها جهود مجتمعية ـ منابر تعليمية ودينية وثقافية ـ لترسيخ الديمقراطية في النسيج المجتمعي كثقافة مجتمعية عامة وقيم وسلوك وتربية ينشأ عليها الناشئة فتصبح جزءاً من تكوينهم. المطلب الثاني: عودة الدور المصري: يراهن بعض المتحمسين من الكتاب والناشطين السياسيين على التغيير السياسي الحاصل في مصر في عودة الدور الإقليمي والقومي لمصر، فهؤلاء يرون أن مصر ليست مجرد دولة عربية، إنها تشكل مركز الثقل السكاني والثقافي الاكبر للعالم العربي، وهي إحدى القوى الإقليمية الأربع الكبرى في المنطقة إلى جانب إسرائيل وتركيا وإيران، ولذلك فهم يؤاخذون مبارك وينتقدون نظامه لأنه تسبب في انكفاء مصر على ذاتها وانصرافها إلى معالجة مشاكلها لدرجة تخليها عن مسؤولياتها القومية، وهم اليوم وبعد سقوط نظام مبارك يطالبون بعودة مصر إلى قيادة الأمة العربية لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وهم يرون أن هذا «قدر» مصر، بسبب مكانتها وموقعها «الجيوـ سياسي» والعالم العربي اليوم بأمس الحاجة إلى مصر قوية ومنيعة لأن العرب لن يستطيعوا مواجهة مخططات الأعداء بمعزل عنها ولذلك يطالبون بمساعدة ودعم مصر حتى تستطيع أن تقوم بدورها القيادي، أخشى أن تكون مراهنات هؤلاء المتحمسين، نوعاً من الحنين إلى مغامرات العهد الناصري، الذي تزعم العرب وأعلن التحدي لإسرائيل وأمريكا والغرب ولكنه في النهاية قادنا إلى التهلكة ونحن معصوبي العين! عالم اليوم غير عالم عبد الناصر، ومصر اليوم ملتزمة بمواثيق ومعاهدات دولية يجب احترامها، وهؤلاء الذين يحلمون بعودة عنترة ليحمل لواء المواجهة، إنما يعطون ذريعة لإسرائيل لفتح جبهة جديدة مع مصر، يجب أن نتذكر أن من حسنات نظام مبارك أنه جنب مصر المغامرات السياسية والعسكرية التي كانت سبباً في نكبة مصر وفي معاناة جماهيرها وفي تردي أوضاعها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها