النسخة الورقية
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    7:36PM

كتاب الايام

المزاجي

رابط مختصر
العدد 7988 الثلاثاء 22 فبراير 2011 الموافق 19 ربيع الأول 1432هـ

يصادفنا في حياتنا اليومية شخصيات مزاجية، وهي وفق التصنيفات النفسية كثيرة ولها تسمياتها، غير اننا كافراد عاديين في مسار حياتنا وروتينها لا نمارس دور الطبيب النفسي ولا مهمتنا ترتقي لمهمته، فلسنا معنيين بمعالجة هؤلاء المزاجيين بنفس طريقة معالجة الاخصائي النفسي، فالناس بطبيعتها طيبة وحادة وقاسية، بل ولا تخفي امتعاضها من شخصية المزاجي، فما عليها الا اتخاذ اجراءات واقعية معه، بل ولا يهمها ان ترميه بشررها من نكات ساخرة، قد تدخل المزاجي في حالة اكتئاب داخلي او اتساع حجم الانطواء عنده او كراهيته للاختلاط بمساحة اوسع وبمجموعة مجتمعية تجعل منه مادة لسخريتها. المزاجي مشكلته مع نفسه ومن ثم انعكاسها على بيئته الاجتماعية ومحيطه العائلي، فهو من يحيط حياته بتلك المباني والقلاع والاسيجة الاسمنتية، هذا ناهيك عن تفاعلات الكيمياء اللعينة مع مزاجه السوداوي بدلا من ان يخرج من دائرة الانغلاق نحو فضاء مفتوح وانبساطي، يتيح له فرصة استبدال مزاجه – ولو لبعض ساعات – بمنح نفسه فرصة التغيير، غير انه يفضل البقاء في صومعة الذات المغلقة، ويبدأ التفكير في كل شيء اسود ورمادي في الحياة، يخرج من منطقة مظلمة ليدخل في مقبرة اظلم، يصعد لسلم مضطرب اجتماعيا ليدخل الى مكان مشحون بالبكاء والاحزان، يخلع عنه بدلته المهنية ليرتدي كفنه اليومي، حيث الحسابات والكشوفات كلها كابية مثل حانوت للموتى . صاحبنا المزاجي، قليلا ما يسعدك حضوره المرح، وكثيرا ما يحزنك وضعه المحبط، فهو لا يجيبك بنفس متفائل، ولا ينقلك الى ملكوت الفرح، فكل اجندته قصص وحكايات عن الاموات والمآتم، عن حوادث مروعة وغياب اصدقاء ومقابر بقبور بلا شواهد، يذكرك بانه كائن حي يمشي بكفنه في الحياة، موزعا بطاقة دعوة مبكرة على حضور جنازته واللطم على الوجوه والبكاء على رحيله، مستعدا وعلى اهبة الاستعداد في سجنك معه في كهفه، عالمه غامض ومتقلب مثل مناخ رطب خانق، لا يضيف الى حياتك الا تعاسة كنت تنوي هجرها لتبدأ حياة جديدة، تناسب امراضك وروحك المغامرة كسندباد، حيث انتظار الوقت الرتيب يصبح بلا جدوى، ومن الافضل تجديد حياتنا بتجارب مريحة، تنفض عنا غبار الكآبة وملابسنا السوداء المزعجة للروح والبصر. العلاقة مع الشخصية المزاجية غير واضحة ومتبدلة، ولا يمكنك الوثوق بمشاريعه واستعداداته، فهو على الدوام في حالة طوارئ، مثل سيارة اسعاف تنتظر مكالمة مفاجئة من مريض عنوانه ومكانه مجهول. المزاجي لا تعرف ماذا يعجبه وماذا يفرحه ؟ فالتفاعلات الكيماوية وحدها من تحدد كيمياويته الحياتية واكسير حياته المتلون بكل الالوان الرمادية الاقرب الى حياة الكآبة والعذاب والتوتر، المزاجي اشبه برجل يبحر في قارب صغير نحو محيط واسع في ليل ممطر وبلا بوصلة، تاركا قاربه يمضي نحو ملكوت الله وبسلام، فهو في تلك اللحظة ما عادت تهمه الحياة والبقاء، فالموت والحياة صارتا سيان، فتلك اللحظة العميقة من الاحباط هي كل شيء في مملكته السوداء، المحاطة باصوات الكوابيس الابدية. هل يمكننا الركون اليه في لحظة المشاريع الجادة؟ ما مدى التزامه لكل شروط العلاقة الانسانية، والتي تقتضي درجة من مسؤولية الالتزام؟ هل بامكانه ان يصمد على موقف لمدة طويلة؟ ام انه سريع التبدل والتغيير من وضع الى وضع ومن حالة الى حالة؟ المزاجي من طراز رفيع امره يتعقد، كلما ابتعدنا عن مكان يأنسه واليف لديه، فهو عادة ما يخاف من الامكنة، التي تربكه وتربك حساباته، اما المزاجي بطباعه واطواره المعقولة كمزاجي معقول ومقبول الى حد ما في شؤون كثيرة، وعلى سبيل المثال «رفقته لك في السفر» فهناك مطلوب الحزم والحسم، الالتزام والحيوية، القرار والحركة، الانتقالات المتعددة والطاقة، المغامرة والبحث عن الجديد، كل تلك الامور تكشف طبيعة المزاجي منذ صبيحة اليوم الاول من السفر، هذا ناهيك عن البدايات الاولى معه وانتما في مطار بلدك حتى دخول الطائرة والهبوط منها في مطار بلد جديد، يحتاج كل المواصفات الحيوية لشخصية قرارها سريع وحركتها اسرع في كل صغيرة وكبيرة، فالمزاجي بخلاف ذلك النوع من الشخصيات شخص متردد، متوجس من محيطه وتجربته الجديدة . لا يمكننا تجريد المزاجي من شخصيته لمجرد انه سافر بعيدا، فعادة تجربة السفر اكثر محكا للاشخاص الاسوياء، فما بالنا مع شخصية قد يقبل علماء النفس بوضعها في خانة «غير الاسوياء» اذ تدخل احيانا تلك الشخصية الى مناطق نائية مظلمة من النفس، تقوده نحو وضع مأساوي نهاياته غير واضحة . وتبدو علاقة المزاجي بلحيته وهندامه وكلامه وجمله كلها، متقاربة مع نفسيته ومنسجمة مع تضاريس حياته، تلك الحياة، التي باتت تكره الامكنة المضيئة المشعة بالشمس، او النوافذ المفتوحة والستائر الناعمة البنفسجية. الالوان والاضواء يصبحون اعداء الداء لشخصية المزاجي، فهو يرى فيها حياة وحيوية وضجيج يربك سمعه وبصره الهادئيين، يجعل من مساحة المكان الذي يتحرك فيه محصورا، واذا اقتضى ان يختزل الامور الى اقل ما يمكن فلا مانع ولا حواجز تمنعه. انه قادر على الغاء كل المشاريع والبرامج بشحطة قلم، فمزاجه قرر ان يبقى مكانه ويرفض ما تحمس له قبل ايام او حتى بساعات قليلة. المزاج الصيفي رطب والمزاج السياسي متوتر، ومزاج سياسي بحريني انتخابي يأتي في رمضان حار ورطب حتما سيكون مزاج مختلف !!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها