النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

تعظيم سلام للوطن الذي أنجبكم!

رابط مختصر
العدد 7984 الجمعة 18 فبراير 2011 الموافق 15 ربيع الأول 1432هـ

حتى بعد أن تكتمل فصولها. فسوف تحير انتفاضة الشباب المصري التي بدأت في 25 يناير 2011، المؤرخين والباحثين في العلوم السياسية إلى أن يجدوا لها توصيفا محددا‏: هل هي هبة شعبية أم انتفاضة شعبية أم ثورة شعبية وهو التصنيف الذي اعتمده قادتها وفريق من المتحمسين لها. حتى إن الحماسة ذهبت بأحدهم إلى وصفها بأنها أول ثورة شعبية مصرية منذ العصر الفرعوني. مؤرخو الثورات يذهبون إلى أن الهبة الشعبية هي عمل احتجاجي عنيف تقوم به الشعوب بشكل عفوي ومن دون تنظيم أو وعي سياسي كاف. لذلك يغلب عليها طابع الفوضي والعنف والتخريب فتعطي بذلك للقوى التي ثارت ضدها الفرصة للقضاء عليها. فتنتهي بعد فترة قصيرة. من دون أن تحقق أي هدف لها. بينما تتسم الانتفاضة بدرجة من التنظيم والوعي ووضوح الأهداف التي تكون عادة محدودة. لذلك تستمر فترة أطول وتحقق نتائج أفضل. العكس من ذلك فإن الثورة عمل انقلابي أكثر تنظيما وأكثر وعيا وأوضح هدفا وأطول نفسا لذلك تنتهي عادة بانقلاب شامل في حياة المجتمع يسفر عن نظام سياسي جديد. ومجتمع مختلف في تركيبه الطبقي. المشترك بين الحالات الثلاث أن أحدا لا يستطيع التنبؤ بدقة بالموعد الذي قد تتفجر فيه. وكل ما يمكن رصده هو أن هناك حالة ثورية تتمثل في رفض المحكومين للطريقة التي كانوا يحكمون بها من قبل. وفي عجز الحاكمين عن حكم بلادهم بالطريقة نفسها. آنذاك تصبح الهبات والانتفاضات الشعبية متوقعة في أي لحظة يقع فيها حادث يشعل نيران الغضب في نفوس الشعب. أو طائفة منه. تندفع إلى الشارع لتصبح نواة تتجمع حولها فصائل الساخطين. لتدور عجلة الثورة. وليس نادرا بالطبع أن تتكرر الهبات لتقود إلى انتفاضات ثم تنتهي بالثورة. انفجرت انتفاضة 25 يناير 2011، بشكل مفاجئ تماما. كما انفجرت انتفاضات مصرية أخرى كان أبرزها انتفاضة 1935، وانتفاضة 21 فبراير 1946، وانتفاضة 18 و 19 يناير 1977، وفي الحالات الثلاث الأولى. كان هناك موعد محدد مسبقا للقيام بعمل احتجاجي ما. تمثل في تصريحات لوزير الخارجية البريطاني في بداية نوفمبر 1935، أعلن فيها أن حكومته تعترض علي إعادة دستور 1923، وفي تحديد يوم 21 فبراير 1946، ليكون موعدا لمظاهرة قومية تشترك فيها كل القوي والأحزاب ـ بما في ذلك الحكومة التي كانت قائمة آنذاك ـ للمطالبة بجلاء الاحتلال البريطاني عن مصر. كما كان يوم 25 يناير 2011، محددا لوقفة احتجاجية أمام وزارة الداخلية. ضد تجاوزات الشرطة في حق المواطنين. وكان المفاجئ في الحالات الثلاث. هو أن هذا العمل الذي كان متوقعا أن يكون عملا احتجاجيا عاديا. قد تحول إلي بداية لانتفاضات شعبية. والحقيقة أن انتفاضة 25 يناير 2011، تتشابه مع مثيلاتها المصرية ببعض الخصائص وتتميز عنها بخصائص تكاد تنفرد بها‏. فهي تتشابه معها في أن الذين دعوا إليها وتولوا قيادتها. هم من شباب الطبقة الوسطى من الطلاب والمتعلمين الذين كانوا أعمدة الانتفاضات والثورات المصرية منذ بداية القرن التاسع عشر. وكانت مساهمتهم الثورية بارزة في ثورة القاهرة الأولى عام 1799، ضد الحملة الفرنسية على مصر. التي تزعمها طلاب الأزهر والمدرسون الشبان فيه. ثم انضمت إليهم فيما بعد فئات شعبية أخرى. وفي الثورة العرابية عام 1881، التي انضم طلاب الأزهر في دعمها وتحمل عبء الدعوة إليها طلاب المدارس المدنية. التي كانت قد أنشئت في عهد محمد علي. وكان طلاب المدارس العليا ـ أو ما يعرف الآن بالجامعات ـ هم القوة الأساسية التي اعتمد عليها الزعيم مصطفي كامل في قيادة حركة اليقظة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني في العقد الأول من القرن العشرين كما كان هؤلاء فضلا عن طلاب الأزهر وشباب المحامين. هم القوة الأساسية في ثورة 1919، هذا فضلا عن أن الطلبة كانوا طليعة الانتفاضات الشعبية في 1935‏و 1946 و1968 و1972 و1977. تلك ظاهرة ثورية تلفت النظر عند قراءة تاريخ مصر المعاصر. لا تكتمل أركانها إلا بالإشارة إلى أن الطلبة وغيرهم من شرائح الانتلجنسيا ـ وهم الذين يعيشون على بيع قوة عملهم الذهنية كالمهنيين ـ كانوا يبدأون الانتفاضة ويقودونها. لكنها لم تكن تتحول إلى ثورة. إلا حين تنضم إليها طوائف أخرى من الشعب. وخصوصا من العمال والفلاحين. فإذا لم ينضموا إليها ظلت مجرد انتفاضة. وأهم ما تنفرد به انتفاضة الشباب في 25 يناير 2011، أنها تولدت عن تفاعل اجتماعي نشأ عبر وسائل الاتصالات الحديثة التي وفرتها ثورة الاتصالات. وخصوصا مجموعة الفيس بوك لتكون فيما بينها شبكة من العلاقات غير المباشرة. بين شبان تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والثلاثين. يتبادلون أفكارا وآراء ويتفقون على اتخاذ مواقف من دون أن يعرف بعضهم البعض. لتحل محل أشكال التفاعل الاجتماعي التقليدية. التي تقوم على علاقة الوجه بالوجه. وتحل محل أشكال التنظيم السياسي التقليدية. التي تقوم على تشكيل الأحزاب والجماعات السياسية. وعلى التنظيم الهرمي الذي يوحد بين رؤية أعضائه ويخلق بينهم إرادة سياسية موحدة. وكان لدى الجيل القديم ممن شاركوا أو درسوا الانتفاضات الشعبية المصرية. تقدير بأن الاعتماد على هذا الأسلوب في التفاعل الاجتماعي والسياسي. لا يمكن الاعتماد عليه في خلق حالة سياسية تدعم مطالب الإصلاح السياسي والدستوري. وأنه على العكس من ذلك يستنفد طاقة الشباب في حوارات بين بعضهم البعض لا تضيف إليهم معرفة أو خبرة أو قدرة تنظيمية يمكن أن يكتسبوها من الأجيال السابقة. وتصرفهم عن الانضمام إلى الأحزاب السياسية التي تنشط في مجال الدعوة للإصلاح. مما يضعف حركة الإصلاح السياسي والدستوري. فجاءت حركة 25 يناير 2011، لتكشف عن أن وسائل التفاعل الاجتماعي الحديثة. يمكن أن تلعب دورا في الحشد الثوري. وربما كان أهم إنجازاتها هو أنها دفعت إلى ساحة العمل السياسي في مصر جيلا كان معظمه غائبا عنه وغير مؤثر فيه. وإذا كان الأوان لايزال مبكرا للحكم على الظاهرة بشكل متكامل. فإنه ليس متأخرا لكي أقول لهم‏: تعظيم سلام للوطن الذي أنجبكم!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها