النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

الدرس التونسي

رابط مختصر
العدد 7970 الجمعة 4 فبراير 2011 الموافق غرة ربيع الأول 1432 هـ

طرحت إيلاف الإلكترونية سؤالاً جدلياً مثيراً لاستطلاع توجهات القراء حول الحدث التونسي فقالت: بعد نجاح الشارع التونسي في خلع بن علي: هل تتمنى امتداد شرارة التغيير إلى دول عربية أخرى؟ جاء السؤال بـ «هل تتمنى» بدلاً من «هل تريد وتؤيد» وبين التمني والإرادة بون شاسع كما أن بين إرادة الشيء وحصوله فرق واضح، ولا شك أن الجماهير في المجتمعات العربية تريد التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكانت المنطقة في منتصف هذا العقد منشغلة بمشاريع ومبادرات الإصلاح التي كانت تنهمر وكانت الآمال واعدة لكنها جميعاً انتهت ولم تثمر إلا قليلا، الهم الإصلاحي مطلب جماهيري ملح وإن لم يكن بالضرورة وفق النهج التونسي وربما كانت التسؤلات الأكثر حيوية هي: 1. لماذا حصل ما حصل في تونس وحقق نجاحاً؟ 2. هل يمكن للعدوى التونسية أن تنتقل وتحقق النجاح؟ 3. هل يحقق التغيير آمال الجماهير في الحرية والكرامة والعدالة والقضاء على الفساد والمحسوبية؟ بالنسبة للتساؤل الأول فإن أكثر المحللين مع أن ما حصل في تونس لم يكن بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وحدها والتي دفعت البوعزيزي إلى حرق نفسه احتجاجاً على مصادرة عربته وهي المقولة التي انتشرت إعلامياً في الساحة، إذ لا كارمة ولا شجاعة في حرق الإنسان لنفسه من أجل هدف مادي! المواطن التونسي هو الأعلى دخلاً بين البلاد العربية غير النفطية، وتونس قدمت تجربة تنموية كانت محل إشادة دولية، وبحسب التقارير العالمية تتصدر تونس عربياً مؤشر «جودة الحياة» وتشمل: الأمن والمناخ وتكلفة المعيشة والترفيه والثقافة والصحة، وإذا كان مقياس تقدم المجتمعات مكانة المرأة فيها فإن المرأة التونسية تحظى بمكانة اجتماعية متميزة وتمارس كافة الحقوق السياسية والمدنية فعلياً لا نظرياً كما هي الحال في معظم المجتمعات العربية وهي الأكثر مشاركة في الحياة العامة بين نساء العرب، وشهدت تونس نهضة تعليمية فريدة وهي الأكثر في نسبة المتعلمين والخريجين كما شكلت واحة أمان تجذب ملايين السائحين ويتميز الشباب التونسي بمهارة عالية في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية، كما تحظى تونس بأكبر طبقة وسطى غير مشوهة ضمنت التغيير السياسي السلس من غير خسائر كبيرة، وما حصل في تونس مرجعه فساد النخبة الحاكمة وليس الوضع الاقتصادي المتعثر. هذا الفساد الذي يقول عنه سيار الجميل إنه وباء العصر، إضافة إلى القبضة الحديدية للنظام التونسي، إنه سطورة أسرة بن علي والمحيطين بها ونهبهم لخيرات البلاد، وهؤلاء الذين يسنون سكاكينهم ضد بن علي ويصفونه بالصنم الأكبر كانوا حتى عهد قريب يغدقون المديح عليه، مما جعل الكاتب الكويتي المعروف محمد الرميحي يسميه بفشل النخب العربية، ما أريد توضيحه أن الوضع الاقتصادي البائس لم يكن هو المحرك للتونسيين لإسقاط النظام هناك ما يسميه فوكوياما «رأس المال الاجتماعي» الذي يقوم على ثقة المواطنين في النظام الحاكم، فإذا فقد النظام هذا الرأس مال كان عرضه للانهيار عند أية هبة شعبية، وعلى ضوئه يمكن فهم ما حصل في تونس طبقاً لعبد المنعم سعيد، إذ أنه بالرغم من مظاهر التقدم والتنمية البراقة إلا أن النظام افتقر إلى رأس المال الاجتماعي بسبب استشراء الفساد والرشاوى، بالنسبة للتساؤل الثاني: هل نوذج تونس قابل للتكرار عربياً؟ يقول الرميحي ان ما حدث في تونس له أسباب مختلفة وعميقة وتلك المظاهرات لو حدثت في مكان آخر له مواصفات أخرى ربما لما انتهت إلى ما نعرفه. في المقابل هناك من يرون إمكانية تكرار النموذج التونسي وهناك منابر وفضائيات وأقلام لا تكتفي بمجرد الرغبة في التغيير بل ترى لها دوراً في ذلك عبر شحن الجماهير للنزول إلى الشوارع ومواجهة النظام ويراهن هؤلاء على حركة الاحتجاجات الشعبية الممتدة من تونس إلى الجزائر وموريتانيا واليمن وأخيراً مصر التي شهدت منذ 25 يناير مظاهرات حاشدة تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية، في تصوري أنه لا تستطيع أية انتفاضة احتجاجية أو ثورة شعبية مهما كانت كبيرة وعادلة في مطالبها أن تسقط نظاماً سياسياً عربياً إلا إذا ساندتها القوة الرئيسية الحامية للدستور الوطني، لكن يبقى أن نقول: إننا مع التغيير إلى الأفضل ومع الإصلاحات الجادة والشاملة للمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتشريعية، ومع مطالب الجماهير وحقها في الحياة الحرة الكريمة، لكنني لست مع الدعوات المحرظة للجماهير بالنزول إلى الشوارع في مظاهرات واحتجاجات ومسيرات تبدأ سلمية لكنها - غالباً - ، وفي مجتمعاتنا العربية بالذات، تتحول إلى دموية ومخربة، وهذا ما شاهدناه في مظاهرات «جمعة الغضب» المصرية من عمليات تخريب واسعة وأحداث وممارسات نهب وسلب طالت الكثير من المحلات والممتلكات الخاصة، إضافة إلى إحراق منشآت عامة وإتلاف العديد من الممتلكات العامة والخاصة وذلك غير الخسائر البشرية في القتلى والجرحى، ولا شك أن مطالب الجماهير في الحرية والحياة الكريمة والإصلاح الشامل وإنهاء احتكار السلطة ومحاربة الفساد والمحسوبية ومحاكمة رموز الفساد، هي كلها مطالب مشروعة وعادلة، وعلى حكوماتنا العربية سرعة التجاوب معها واستيعابها والتفاعل الجاد معها لا التهرب والمراوغة والتلكؤ أو الاستعلاء عليها واستخدام القبضة الأمنية الباطشة ضدها، إني على أمل كبير أن تسارع الأنظمة العربية إلى الإفادة من الدرس التونسي، لا من منطلق الخوف من المظاهرات الجماهيرية ولا خضوعاً للضغوط الدولية لكن من منطلق الرغبة الجادة والحقيقية في تحقيق الإصلاح الشامل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها