النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

تونس.. هل هو خروج عن طاعة وليّ الأمر؟

رابط مختصر
العدد 7967 الثلاثاء1 فبراير 2011 الموافق 28 صفر 1432 هـ

قد تستمع إلى خطيب جمعة في أحد الجوامع يحدّث المصلّين عن وجوب طاعة ولي الأمر ولو كان عبداً حبشيّاً رأسه كالزبيبة. وفي الجامع المجاور له قد تستمع إلى خطيب جمعة آخر يقول للناس إنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وسيجد أولئك الذين تعوّدوا على تصنيف الأعمال في جداول الحلال والحرام بدلاً من جداول الصواب والخطأ أنفسهم في حيص بيص، فلا يعرفون كيف يصنّفون الثورة التونسية أو الثورية المصرية، هل هي خروج على وليّ الأمر؟ أم هي من قبيل الامتناع عن طاعة المخلوق الذي عصى خالقه؟ ففي صحيح البخاري، يروى أنّ أحدهم سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عمّا يفعله إذا ارتكب السلطان في حقّه ظلماً فقال: «تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك». ويؤكّد الإمام النووي على أنّ علماء المسلمين مجمعون على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم فيقول في كتابه شرح صحيح مسلم: «أما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين». وفي المقابل، فإنّ الدين الإسلامي حينما انطلق من مكّة المكرّمة انطلق من خلال ثورة غير مسبوقة ضدّ الاستبداد القرشي وضدّ جشع أغنياء مكّة، ولقد كان للإسلام ولنبيّ الإسلام عليه الصلاة والسلام الفضل في تمكّن المظلومين والمقهورين والمستعبدين من الخروج على النظام القائم في مكّة وعدم الركون إلى القوانين القرشية المستبدّة التي كانت تجرّد العبيد والإماء والنساء من حقوقهم. ويروى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام بعث سرية واستعمل عليها رجلاً من الأنصار، فلما خرجوا غضب عليهم في شيء فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حطباً. فجمعوا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه. ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنّها. فقال أحدهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. فرجعوا إلى النبيّ فقال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف. وحين أعلن المسلمون البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، لم يقل للمسلمين «إنّ طاعتي من طاعة الله حتى لو ظلمتكم»، بل وقف أمام الملأ وقال لهم: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني»، ومثله فعل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بايعه المسلمون، فقد وقف قائلاً: «من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فيقومّه بالسيف». وإذا تأملنا في تاريخ الثورات فلن نجد ثورة أطهر ولا أنقى من الثورة التي قادها أبو ذرّ الغفاري رضي الله عنه ضدّ المترفين والمسرفين والمبدّدين لأموال الناس منتصراً بذلك للفقراء والجياع، وكان جزاؤه أنْ أُبعد عن وطنه ونُفي إلى الشام ثمّ إلى الربدة، وأُمر أن لا يكلمه أحد ولا يتصل به أحد حتى توفاه الله سبحانه وتعالى وهو متمسّك بهذا الموقف المشرّف. ولم ينتقد أحد من العلماء المتقدّمين ولا المتأخّرين موقف أبي ذرّ الغفاري ولم يعتبروا مواقفه السياسية خروجاً عن طاعة وليّ الأمر، ولا أظنّ أنّ هنالك من يمكنه أن يتجرّأ ويعتبره مخالفاً لقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». وحتى الثورة التي قادها محمد بن عبد الوهاب في السعودية، لا أحد يُنكر أنها كانت ثورة ضدّ السلطان العثماني المسلم، ولكن لم نجد أي عالم من علماء نجد ينتقد هذه الثورة أو يصنّفها على أنها خروج عن طاعة وليّ الأمر، رغم أنّها كانت أحد الأسباب المهمة في تعثّر الدولة العثمانية وفي سقوطها بعد ذلك. ومن هنا يتوجّب علينا أن نفرّق بين الموقف السياسي الدنيوي البحت وبين الإرادة الإلهية المتعالية، فشؤون الحكم والولاية وتسيير أمور الدولة هي شؤون دنيوية بحتة لا يحقّ ربطها بالإرادة الإلهية، لأنّ ربطها بإرادة الله تحوّل التقديرات البشرية للحاكم إلى أوامر ربّانية، وهذا ما لا يليق بالخالق جلّ جلاله خصوصاً إذا أثبتت الأيام سوء هذه التقديرات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها