النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

التضخم.. امتداد الخلاف

رابط مختصر
العدد 7966 الأثنين 31يناير 2011 الموافق 27 صفر 1432 هـ

تنصرف الأذهان مباشرة عند الاصطدام بتعبير «التضخم» إلى مشكلة الغلاء أو الارتفاع في أسعار السلع والخدمات، ويصبح الخوف منتصباً في كل لحظة عند سماع أو قراءة معلومة عن معدلات التضخم الشهرية أو السنوية، ويتعاظم الهم في فترات الركود والكساد الاقتصادي وتفشي البطالة. وبرزت قضية التضخم بصورة قوية في وسائل الإعلام أثناء الأزمة المالية والاقتصادية الحالية وخاصة بعد تعهد حكومات الدول الناشئة والنامية بزيادة الجهود لوقف ارتفاع معدلات التضخم. إلا أن تعبير التضخم الذي أضحى يرعب العامة من الناس يشكل خلطاً في معنى المفهوم لدى الكثيرين منهم، حيث يبدو ظاهرياً أن هذا التعبير الشائع (التضخم) يحمل اسماً واحداً لظاهرتين مختلفتين، هما الغلاء والتضخم. ويرى الاقتصاديون أن التضخم يولد من أسباب نقدية لتوجهات اقتصادية أو سياسية أي أن التضخم النقدي هو الذي يقود إلى ارتفاع في قيم السلع والخدمات، ونادراً ما يحدث غلاء دون تضخم نقدي، حيث يصبح الحديث غير واقعياً دون دخول النقد في الدورة الاقتصادية. ويزيد الطين بلة هو انقسام رأي الاقتصاديين حول تحديد تعريف موحد للتضخم نتيجة اختلاف المدارس الاقتصادية التي لم تتوصل إلى صياغة، تجمع الآراء في مفهومه وأسبابه والإجراءات الكفيلة للحد من تبعاته الاقتصادية والاجتماعية، بل أن ثمة اقتصاديين يفضلون التحدث عن التضخم مع إضافة إحدى الخصائص إليه، كتضخم ناجم عن دفعة التكاليف، وتضخم الطلب المفرط (جذب الطلب) وتضخم التسعير... الخ، حتى أن احد الاقتصاديين أحصى عدد أنواعه ووصل إلى ستين نوعاً. إن فهم هذا الخلاف في تحديد مفهوم التضخم، يفرض الرجوع إلى مسيرة التطورات التي طرأت على النظرية الاقتصادية لزيادة التعمق في معرفة جذوره وتعدد وصفات علاجه، حيث أن عدم استطاعة الاقتصاد الكلاسيكي (آدمسميث وريكاردو) استنتاج شكل القيمة من تحليله لمفهوم السلعة، قد أثر بدوره على تحليل أسباب التغيرات في المستوى العام لأسعار السلع والقوة الشرائية للنقود. إضافة إلى أن القضاء على التمييز النظري بين القيمة والسعر في النظريات الاقتصادية الجزئية القائمة على مفاهيم المنفعة الذاتية، قد همش تحليل التغيرات في مستويات الأسعار المطلقة للسلع، وأعطى لهيكل الأسعار أهمية أكبر في التحليل الاقتصادي، مما أعاق الحصول على إجابة شافية لأسباب وجود حركة دائمة في مستويات الأسعار المطلقة، مما أفسح هذا المجال لظهور نظرية جديدة لتفسير التضخم، لا ترى فيه إلا نتيجة التغير (الإفراط) في عرض النقود بحيث تكون كمية النقود تتزايد بسرعة أكبر من تزايد حجم الإنتاج. لقد حصدت هذه النظرية (العلاقة بين كمية النقود وحجم الإنتاج) قبولاً كبيراً واكتسبت صيتاً في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، تماشياً مع توسع دور الدولة ودخولها كقطب رئيسي في الاقتصاد عن طريق تمويل الإنفاق الحكومي عبر طبع وضخ النقود في الأنشطة الاقتصادية أو سعي بعض الحكومات للحفاظ على ثبات معدلات الصرف وتبني سياسة التشغيل الكامل. كما شهد العالم في الفترة القريبة الماضية بعد الأزمة المالية الأخيرة خططاً تحفيزية بضخ مليارات الدولارات كما حدث في الصين والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، ويعتقد بعض الاقتصاديين أنها كانت السبب وراء ارتفاع معدلات التضخم أو كما يربط البعض التضخم في البرازيل إلى زيادة تدفق رؤوس الأموال من الخارج على اقتصادها نتيجة هروب مستثمري الدول المتقدمة من بلدانهم بسبب معدلات الفائدة المتدنية وخلقت طفرة اقتصادية تبعها تضخم. وبكلمات أخرى شجع ذلك على النمو ولكن خلق في نفس الوقت ضغوطاً تضخمية على أسعار المواد الأولية والسلع الاستهلاكية. فخلال عام 2010، أصيبت أسعار المواد الأولية بالارتفاع المتولد من الطلب بمعدل بأكثر من 20 بالمائة في المتوسط وارتفع مؤشر أسعار المواد الغذائية بمعدل وسطي يعادل 20 بالمائة. إن الممارسة اليومية تشير إلى عمق المشاكل التي تعيق الإجراءات لوضع حد للتضخم الزاحف والمستمر إلى شرايين الاقتصاد في جميع بلدان العالم نتيجة تجاهل الرباط المتين بين حركة الأسعار والعمليات الجارية في ميدان الإنتاج. كما أن الجري وراء حصر التضخم في نظرة ضيقة محصورة في زيادة عرض النقود والبحث في تقليص هذا العرض عن طريق أدوات السياسات النقدية المتمثلة في رفع معدل الفائدة من طرف، أو الحد من الكتلة النقدية باستخدام أدوات السياسة المالية عن طريق بيع الدين العام أو زيادة الضرائب من طرف آخر، لم يستطع وقف استمرار زحف التضخم وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية. ويعتقد البعض أن هذه الأدوات النقدية والمالية رغم فعاليتها غير قادرة بصورة كافية في خلق رضا لجميع أفراد المجتمع، أي أن الأرقام الدالة على التضخم، قد تشكل في الحقيقة واجهة خارجية لا تسمح للعالم الموجود في الدخل أن يكشف عــن نفســه إلا بمقاربــة نظرية جديدة ومغايرة وإلا امتد خلاف التفسير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها