النسخة الورقية
العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

تصفية التراث الفقهي

رابط مختصر
العدد 7953 الثلاثاء 18 يناير 2011 الموافق 14 صفر 1432هـ

في العام 1965 عقدت الكنيسة الكاثوليكية مجمعها الكنسي الثاني الذي أقرّت فيه للمرّة الأولى في تاريخها إمكانية أن تكون الأديان الأخرى على صواب، واحتمالية وصول معتنقي الأديان والمذاهب الأخرى إلى الجنّة، وأقرّت للمرّة الأولى كذلك حرّية التزام أفرادها بالأصول الكاثوليكية بحجّة أنّ الإيمان لا يتمّ فرضه فرضاً. بالطبع، فإنّ هذه القرارات التاريخية لم يتمّ اتخاذها إلا بعد سلسلة من الحروب الدامية التي دارت رحاها بين أبناء الأديان السماوية، وبعد أن جرت سيول من دماء أبناء المذاهب والطوائف المختلفة، إلى أن أصبح الناس يتساءلون: كيف يجري كلّ هذا التقتيل باسم الدين وتحت راية الإيمان؟ وهل يرضى الله تعالى أن تحدث كلّ هذه المجازر التي تُرتكب في سبيله؟ لقد وضعت القرارات التي اتخذها المجمع الكنسي الثاني حدّاً أيضاً لمطاردة المفكرين والفلاسفة والعلماء الذين كانت تختلف أطروحاتهم عن معتقدات ممثّلي الكنيسة وما توارثوه من فتاوى وأحكام وتفسيرات، فكم من المفكرين والعلماء سقطوا نتيجة التزامهم بالمنهج العلمي ووفائهم لطريقته في التحليل واستخلاص النتائج، وجازاهم ممثلو الكنيسة بالقتل أو الحرق، كما لجأ كثير منهم إلى الترحال في بلاد الله الواسعة خوفاً من البطش والإيذاء. يقول الدكتور هاشم صالح في كتابه «مخاضات الحداثة التنويرية»: «إنّ حروب الأديان الرهيبة التي جرت بين البروتستانت والكاثوليك طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت قد زعزعت أوروبا وأفقدت المسيحية مصداقيتها إلى حدّ كبير في أذهان المثقفين المستنيرين.. وكان لا بدّ من أن تدفع المسيحية كنظام فكري وكلاهوت ثمن حروب الأديان وما جرّته على البشرية الأوروبية من ويلات، وكان لا بدّ من أن تنهض أيديولوجيا جديدة، أيديولوجيا مستنيرة ترتفع فوق مستوى الحزازات المذهبية وتفتح أفقاً للمستقبل». لقد أحسّ ممثلو الكنيسة الكاثوليكية أنّ الحركة العقلية والعلمية الحديثة في أوروبا آخذة في سحب البساط شيئاً فشيئاً من تحت أقدامهم، وعوضاً عن أن يأتمر المسيحيون الأوروبيون بأمرهم في جميع شؤون الدنيا والآخرة مثلما كانوا يفعلون في القرون الماضية، وجدوا أنّهم صاروا أكثر اقتناعاً بما ينتجه العقل البشري وما تسفر عنه نتائج البحث العلمي، وكان من الطبيعي أن تتسع حركة الرفض لشنّ الحروب باسم الدين ولإعدام أصحاب النظريات الجديدة بدعوى الهرطقة ومعارضة ما قالته الكنيسة، فلم تجد الكنيسة الكاثوليكية مناصاً من إجراء مصالحة بينها وبين العقل، وأن تقبل بالعديد من التنازلات قبل أن تخسر موقعها كاملاً لدى أتباعها. لم يكن الدين هو الذي أثار الحروب بين الأديان، ولم يكن الله هو الذي يأمر بأن تُجزّ رقاب المكتشفين والمبدعين، ولكنّ الذي كان يحرّك بيادق الحرب ويشغل فتيل الصراعات هو تصوّر ممثلي الكنيسة للدين وما زاده الساسة والزعماء على الدين لكي يساعدهم على تحقيق مآربهم السياسية وأطماعهم الدنيوية، وما القرارات التي أصدرها المجمع الكنسي الثاني إلا عودة حميدة للمبادئ النقيّة للدين ورجوع إلى جذوره الأصيلة السمحة. وإذا كان ممثلو الكنيسة يلامون على الأرواح التي أُزهقت نتيجة تصوّراتهم الخاطئة ونتيجة تشدّدهم وتزمّتهم على مدى قرون، فيُحسب لهم أيضاً جرأتهم في اتخاذ قرارات المجمع الكنسي الثاني التي فيها اعتراف صريح بأخطاء الماضي ورغبة صريحة في تجاوزها. أسوق ما سقت لا لأعرض عليكم ما تسبّبت به الكنيسة من حروب دينية خلال القرون الماضية، ولكن لأحذّر من الحروب التي قد تحدث بين أتباع الديانات السماوية في الدول العربية وبين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة إذا لم تمتلك المجامع الفقهية الجرأة وتصفّي التراث الفقهي مما يتضمّنه من فتاوى وأحكام تؤثّر على الوحدة وتدعو إلى التشرذم والانقسام وتحضّ على إقصاء المختلفين أو قتلهم. فالمسلمون الذين يتلون الآية «لا إكراه في الدين» منهم اليوم من يقوم بدفع المسيحيين العرب إلى الهجرة من بلدانهم، ومنهم من يحرق الكنائس ويفجّرها، ومنهم من يفجّر نفسه لقتل إخوانه من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى، ويجد كلّ أولئك مستنداً من التراث الفقهي لأفعالهم ومسوّغاً للعنف الذي يمارسونه، ولا نجد من المجامع الفقهية من يتصدّى لإجراء عملية التصفية للتراث مما شابه من فتاوى وأحكام تشوّه صورته السمحة ومبادئه السامية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها