النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

الفئات الهامشية 3-3

رابط مختصر
العدد 7946 الثلاثاء 11 يناير 2011 الموافق 7 صفر 1432هـ

هناك فئات هامشية لا حصر لها، صديقة الأرصفة والطرقات، ففي كل بلد واقتصاديات وثقافات معينة، تنتج بالضرورة مهن محددة، غير إنها الأكثر انتشارا في العالم النامي تحديدا، بائع الصحف الكبار والصغار، بائع السجائر والحلويات والأطعمة والماء، بائع الورد وكوارتين العللكة، بائع المشويات كالذرة والفول السوداني والكستناء، بائع بطاقات الهاتف، البائع المتجول، غاسل السيارات، عامل البستنة والتقليم، الحمالون «العتالون» تنظيف السمك، الاسكافي ماسح الأحذية. كلهم يتميزون بخصوصية عملهم المختلف، وأحيانا المتشابه، حيث المختلف في طبيعة العمل اختلاف السلعة لا غير، كلهم يسترزقون قوت يومهم ودخلهم ويعتمدون على الظرف الزمني والمكاني، وإذا ما كانوا مواطنين وينتمون لبلادهم فهم لا يخشون عقاب السجن والترحيل، ولكنهم في اغلب الحالات يخافون العقاب والقانون وسطوة رجال البلديات. يحاول الطفيلي دائما اختراع مهن فائضة تحقق له دخلا إضافيا ومستمرا وثابتا، وبالتعاون مع أشخاص في المكان والوظيفة ينجح في انتهاك القوانين والإجراءات الشرعية ويلتف حولها بطمأنينة الشعور بأن من حوله هم جزء من اللعبة الفاسدة، ففي العالم الثالث نجده ذلك الطفيلي جالسا داخل المصعد، يضايق البشر وسكان العمارة وزوارها بمهمة ووظيفة «ضغط الزر» حسب رغبتك في الطابق الذي تنوي الصعود إليه، مذكرا إياك «بالبخشيش» وبأنه قام بدور عظيم وجبار. سلوكه هذا المريب يجعلك تفكر لماذا هذا الكائن قابع هنا كمتطفل على حياة الناس، ترى هل هذا نمط من عمل المخبر السري. ثم تعود وتقنع نفسك بأنها مجرد أوهام فتلك مهن غبية ومتطفلة تفرزها المجتمعات الكسولة والمتبطلة. وكضاغط الزر نرى الطفيلي في شوارع العالم البائس يفتح لك باب سيارة التاكسي أو سيارتك الخاصة منتظرا كرمك، محاولا جعلك ارستقراطيا بكذبه، دون أن يدرك انه يضايقك إلى ابعد الحدود. من أين جاء هذا الكائن؟ كيف قفز بين المارة والازدحام وعالم الفوضى؟ يبدو إن عينيه مركزة هناك ومرصدة متخصص في اصطياد نمط من الزبائن وهو في النهاية «محتكر صغير» للمكان الضيق من هذا الشارع أو هاتيك الناصية. وهناك بائع الطوابع الخبيث والمتمسكن، الذي يوزع ابتساماته ونظراته البائسة لعل الاستعطاف يحنن قلب الناس على وضعه. ولا نستغرب أن نجدهم يخترعون مهنا نتيجة الحاجة، حتى وان ابتزوا الناس نتيجة حاجتهم بطلبهم أثمان باهظة، كما هو بائع البنزين والوقود في زمن الحرب والحرب الأهلية في العراق حاليا ولبنان سابقا. أما بائع المكالمات من خلال الموبايل، فهو لا يحتاج إلى أي مكتب وثير ولا رخصة من أي جهة رسمية، انه مجرد شخص متجول، في أمكنة ومقاهي وأحياء وزوايا، يدرك احتياجات الناس للمكالمات العاجلة، ولا نستغرب من أن يكون كالمافيا التي تعمل بالسر على تخريب خطوط الهواتف العامة، لكي تسهل مهمته في اصطياد البشر والمحتاجين. وما أكثرهم الطباعون بالآلة الكاتبة أو بخط اليد الرديء، حيث نجدهم قابعين عند مداخل الوزارات يكتبون رسائل عاجلة للناس، بعد أن حفظوا عن غيب مفرداتها ومعاجمها اللغوية والدواوينية. تلك الفئات الهامشية لا تقتصر مهماتها على ثقافة ما أو أمكنة معينة، ولكنهم في المقابل يولدون نتيجة ظروف حياتية وشروط محددة، خاصة في البلدان التي تنشط فيها السياحة والخدمات، وتنتمي لشريحة البلدان النامية، ففي بعض العواصم هناك تصطدم في المطار بمهنة جديدة ومتطفلة لا تعرف كيف اخترعها ذلك الطفيلي، إذ يسعى حالما يشم انك ثري من بلدان الخليج بسحنتك السمراء، فإذا به يقفز لكي يحمل لك شنطة السامسونايت، مع العلم أنها كانت بالنسبة لك واجهة للثراء والفخامة المزيفة أحيانا، غير أن هذا الأحمق دون وعي منه يحاول أن يسلبك تلك الوجاهة والشخصية والشهرة، على أمل أن يحصل على فتات من النقود مقابل خدمته الذليلة والطفيلية تلك، هذا الطفيلي أو ذاك يتكرر في مهن هامشية كثيرة كما هو جامع الجوازات للعائلات الخليجية، حيث يباشر خدماته طوعا لجمع الجوازات وملء البيانات في بطاقات الدخول دون طلب منك، فيذكرك بأنك لا تزال شخصا أميا، أو تراه يمشي خلفك انتظارا لوضع حقائبك في العربات وسحبها عنوة دون أن تستدعيه. هكذا يقحمون أنفسهم عليك بطفيليتهم وتدخلهم الفظ، وأحابيلهم وابتساماتهم المرائية، فهم يضحكون معك، ولكنهم عندما تجتمع معا تلك المجموعات لعد حصيلة دخلهم ذلك اليوم، يستعيدون شريط الحكايات فيضحكون منا وعلينا، لشعورهم إن البشر مجرد دمى طيبة وساذجة يسهل اصطيادهم في الأمكنة والمناسبات والضرورات القاهرة، المهم معرفة كيف وأين تنصب الفخاخ للعصافير الهاربة، وللبشر الطيبين الذين لا يسعفهم الوقت للالتفات لإلقاء بعض الدراهم، المهم الخلاص بجلده!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها