النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

تقرير السفير.. عن المشير

رابط مختصر
العدد 7942 الجمعة 7 يناير 2011 الموافق 3 صفر 1432هـ

فى أعقاب نشر جانب من التقارير التي كان يرسلها السفراء الأمريكيون إلى حكومتهم عن أوضاع البلاد التي يعملون بها، على موقع ويكيليكس الإلكتروني، فكرت الإدارة الأمريكية في إجراء حركة تنقلات بين سفرائها، تهدف إلى نقل السفراء التي تضمنت تقاريرهم انطباعات سلبية، وأحياناً فضائح شخصية، عن رؤساء البلاد التي يعملون بها، إدراكاً منها بأن العلاقة بين هؤلاء الرؤساء، وبين السفراء الأمريكيين، سوف تتأثر بعد أن علموا ـ من الوثائق التي نشرت ـ بما يكتبونه عنهم إلى حكومتهم، وهو ما يفقد أي سفير مؤهلات البقاء في منصبه، وهي أن يبني علاقة إنسانية طيبة بينه وبين بلاط البلد الذي يمثل بلاده فيه، كأساس لبناء علاقة طيبة بين البلدين، ومع أن البيت الأبيض تردد في تنفيذ الفكرة، حتى لا يعطي ـ فيما يبدو ـ وثائق ويكيليكس أهمية، فمن المؤكد ـ في تقديري ـ أنه سوف يفعلها بعد أن تهدأ الضجة! وكان ذلك ما فعله الرئيس عبدالناصر، في عام 1965، حين قرر نقل السفير أمين هويدي من موقعه كسفير لمصر في العراق، ليكون وزيراً للإعلام، بعد ثلاثة أعوام قضاها في عاصمة الرشيد، كان خلالها موضع ثقة عبدالناصر، وتقديره، وسفيراً متميزاً، يتلقى تعليماته من الرئيس ويرسلها إليه مباشرة. وكان أمين هويدي أحد الضباط الأحرار، الذين اشتركوا في ثورة 1952، وتولى مناصب حساسة كان من بينها المشاركة في تأسيس جهاز المخابرات المصري، الذي تولى منصب نائب مديره، ثم تركه بسبب تنازع في الاختصاصات بينه وبين مدير الجهاز ـ ومؤسسه ـ صلاح نصر، لينقل إلى وزارة الخارجية ويعين سفيراً لمصر في المغرب، وما كادت ثورة 8 فبراير 1963، تقع في العراق، حتى قرر عبدالناصر أن يعينه سفيراً لمصر في بغداد، وقال له وهو يودعه قبل السفر: إن مهمته أن يعمل على التقريب بين القاهرة وبغداد، وأنه سيكون المسؤول الوحيد، عن صياغة العلاقات بين البلدين، ومن دون تدخل من أي جهة أخرى في الدولة. ولم تكن المهمة سهلة، بعد خمس سنوات من القطيعة بين البلدين، شهدت حرباً إعلامية وسياسية ودبلوماسية بينهما، بسبب الصراع بين عبدالكريم قاسم، الذي قاد ثورة 14 يوليو 1958، في العراق، وبين عبدالناصر حول زعامة حركة القومية العربية، الذي انعكس على أوضاع القوى والأحزاب القومية والتقدمية، في بلاد الرشيد، فانقسمت إلى معسكرين، يضم الأول الشيوعيين الذين ساندوا عبدالكريم قاسم في موقفه الرافض للوحدة الفورية والاندماجية مع مصر وسوريا ـ وكانتا تشكلان آنذاك الجمهورية العربية المتحدة ـ ورفعوا شعار «جمهورية لا إقليم.. ووحدة كونفيدرالية لا اندماجية»، بينما تكتلت الأحزاب القومية وراء الرجل الثاني في قيادة الثورة وهو العقيد عبدالسلام عارف، الذي كان يؤيد وحدة العراق مع مصر وسوريا تحت زعامة عبدالناصر، وكانت تضم «حزب البعث» و«حركة القوميين العرب» وحركات وشخصيات سياسية أخرى كانت تعتبر نفسها امتداداً لرؤية عبدالناصر للوحدة العربية. وحسم عبدالكريم قاسم الصراع لصالحه، فأقصى عارف عن موقعه كنائب لرئيس مجلس قيادة الثورة، واعتقله وقدمه للمحاكمة بتهمة محاولة اغتياله، ولكنه خفف الحكم الذي صدر عليه بالإعدام إلى السجن المؤبد، وكان في السجن حين نجح فريق من ضباط الجيش العراقي القوميين ومعظمهم من المنتمين لحزب البعث، في القيام بانقلاب 8 فبراير 1963، الذي أسفر عن إعدام عبدالكريم قاسم، وبالإفراج عن عبدالسلام عارف ليتولى رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس قيادة الثورة! وما كاد أمين هويدي، يتولى مهام منصبه، حتى اكتشف أن الوضع بالنسبة للعلاقات بين البلدين لم يختلف كثيراً، فالعناصر العسكرية التي قامت بالثورة، ينتمي معظمها إلى حزب البعث، الذي كان قد انتقل من موقع أتباع عبدالناصر، إلى موقع المنافس له على زعامة القومية العربية، بعد الخلاف الذي نشب بين الطرفين خلال الوحدة مع سوريا، وتحول إلى حملات دعائية متبادلة، في أعقاب انفصال سوريا عن مصر عام 1961، والحزب هو الذي يملك كل مفاتيح القوة في بغداد، ويشكل الأغلبية في المؤسسات التي تشكلت في أعقاب انقلاب 8 فبراير، بما في ذلك قيادة الجيش والشرطة والحكومة ومجلس قيادة الثورة، بينما وضع عدداً من الشخصيات التي تنتمي إلى الفصائل القومية المؤيدة للتيار الناصري، في مراكز ثانوية، لكي يبدو في الظاهر وكأن الحكم هو جهة تضم كل القوى القومية، كان على رأسها عبدالسلام عارف نفسه، الذي لم تكن له أي سلطة على الرغم من أنه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الثورة. لكن عبدالسلام عارف، نجح بعد تسعة أشهر فقط في تدبير انقلاب عسكري أطاح بحزب البعث، وقضى على نفوذه، وظنت القاهرة أن وجه بغداد قد صفا لها بعد طول عبوس، بعد أن انفرد رجلها في بغداد بالسلطة، وقام بثورته الثالثة بهدف تحقيق الوحدة بين البلدين، وتمهيداً لذلك قررت الأحزاب القومية حل نفسها والاندماج في تنظيم واحد هو «الاتحاد الاشتراكي العربي» وصدرت قرارات اشتراكية بتأميم الشركات الكبرى أسوة بما حدث في مصر، وتوثقت العلاقات بين السفير المصرى في العراق، وبين رئيس الجمهورية، فأصبح يلتقي به في أي وقت ويستشيره في كل أمر! وعبر هذه اللقاءات اكتشف أمين هويدي أن المشير عبدالسلام عارف، يكاد يخلو من أية مواهب سياسية، فثقافته محدودة، وقراءاته منعدمة، وهو يؤمن بالأحلام، ويثق بأن أحلامه لا تنزل الأرض، ومعرفته بالدنيا حوله لا تزيد على معرفة العوام، وفكرته عن القومية العربية ساذجة، وعداؤه للاشتراكية شديد، أما موهبته الوحيدة فهي قدرة مذهلة على إخفاء أفكاره، وعلى المناورة وإيهام الجميع بأنه معهم، والإيقاع بينهم، وهدفه الوحيد هو البقاء على السلطة والتباهي برتبة المشير، التي منحها لنفسه! وفي هذا المناخ غير الملائم، واصل السفير أمين هويدي مهمته إلى أن حدث في بداية عام 1965، أن زار المشير عبدالحكيم عامر ـ النائب الأول للرئيس عبدالناصر ـ بغداد، وكما هي العادة أرسل السفير إلى القاهرة مذكرة سرية عن تقييمه لشخصية الرئيس الذي سوف يقابله المشير، ومعلوماته عنه، وعن أسلوب تعامله مع الآخرين، ليضع المشير ذلك في اعتباره عند حواره معه، وفي الموعد المحدد للمقابلة، صعد السفير إلى الجناح الذي يقيم به المشير عامر ليصحبه في الزيارة، وفوجئ بمسؤول البروتوكول العراقي المشرف على الجناح يقدم له مظروفاً مفتوحاً بداخله أوراق، وقال له: إن المضيفة المشرفة على تنظيم الجناح، عثرت عليها متناثرة على أرض غرفة نوم المشير بعد مغادرته له في الصباح وفتح أمين هويدي المظروف، فإذا بداخله التقرير الذي أرسله إلى القاهرة عن شخصية المشير عارف الحقيقية، وأدرك أن صورة منه لابد قد وصلت إلى الرئيس العراقي، وأن إعادة الأصل إليه هو رسالة يقول له من خلالها: كشفتك يا سفير! وكان ذلك هو ما دفع الرئيس عبدالناصر ـ الذي عرف بالقصة ـ إلى سحب سفيره من بغداد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها