النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

تفجير الكنائس وتفخيخ التراث

رابط مختصر
العدد 7939 الثلاثاء 4 يناير 2011 الموافق 29 محرم 1431هـ

من المسؤول عن تفجيرات كنيسة القدّيسين في الإسكندرية التي راح ضحيّتها عشرات القتلى والجرحى؟ ومن المسؤول عن استهداف المسيحيين في العراق وعن عشرات القتلى الذين سقطوا إثر التفجيرات بكنيسة النجاة ببغداد؟ ومن المسؤول عن اضطرار نصف مليون مسيحي عراقي إلى مغادرة العراق بعد أن تمّ تهديد عدد كبير منهم بالقتل؟ هل هذا هو الموقف الرسمي والثابت للإسلام تجاه المسيحيين؟ أم أنّ هذه الحوادث هي تصرّفات حمقاء لمجموعة من الإسلاميين المتشدّدين؟ أم أنّ الأمر يعود إلى مؤامرة صهيونية لتأجيج المنطقة وجرّها إلى صراعات طائفية لتسهيل السيطرة عليها؟ سواء كانت حملات التقتيل والتهجير وترويع الآمنين من المسيحيين الذين عاشوا بين ظهرانينا قروناً طويلة بفعل الإسلاميين المتعصبين أو بفعل مخطط صهيوني - كما يدّعي المستطيبون دائماً لنظريات المؤامرة - فإنّ الذي أعتقده جازماً أنّ الإسلام ليس لديه أي موقف عدائي تجاه المسيحية ولا تجاه المسيحيين ولا تجاه أي ديانة سماوية أو غير سماوية، فالله سبحانه وتعالى وصف المسيحيين واليهود بأنّهم أهل كتاب {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}، ودعانا إلى احترام عقائد الآخرين {لكم دينكم ولي دين}. وحين فرض الإسلام الجزية على أهل الكتاب في البلدان التي فتحها المسلمون لم تكن الغاية منها معاقبة المسيحيين على احتفاظهم بديانتهم ولا دفعهم للتخلّي عن معتقدهم، ولكنها كانت تؤخذ نظير الحماية التي يوفّرها المسلمون لهم. ولقد كانت الجزية وسيلة من الوسائل التي قرّرها الإسلام في ذلك الظرف التاريخي الذي كان فيه المنتصرون يفرضون سطوتهم على الديار بالقتل والحرق والتدمير، فكان الاكتفاء بأخذ المنتصرين للجزية غاية في التسامح والخلق الرفيع. ولما تغيّر الظرف التاريخي لم يكن من المنطقيّ الاستمرار في هذه الممارسة، وكان من الطبيعي أن يعود المسلمون إلى معاملة المسيحيين بـ»المساواة» من خلال المواطنة التي هي أكثر ملاءمة لمقاصد الشريعة في ظرفنا الراهن من الجزية، فصرنا لا نكاد نسمع شيخاً ينادي بتطبيق الجزية على المسيحيين الذين يعيشون بين ظهرانينا اليوم. ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليفرض ما سُمّي بعد ذلك بالشروط العمرية، حيث ألزم المسيحيين الذين يعيشون في ديار المسلمين بلبس الغيار ومنعهم من ركوب الخيل والتشبّه بالمسلمين في اللبس والهيئة والأسماء والكنى، وكان يلزمهم بتعليق الأجراس في رقابهم أثناء دخولهم للحمام ليُعرف أنهم من أهل الذمّة. ولقد تشدّد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في التعامل مع أهل الذمّة فمنعهم أن يفرقوا رؤوسهم، وأمر بجزّ نواصيهم وأن يشدّوا مناطقهم ومنع نساءهم من ركوب الرحائل. ولم تكن هذه الشروط سوى اجتهادات سياسية من العمرين فرضها الظرف التاريخي، ولكنها لم تدم أبد الدهر، ولم يتّخذها اللاحقون أحكاماً إسلامية ثابتة، فلقد مارس المسيحيون شعائرهم بمنتهى الحرّية في البلدان الإسلامية، ولقد تولّوا أرفع المناصب في الدولة، وظهر منهم الشعراء والأدباء والعلماء، وكان من الطبيعي أن يعود المسلمون بعد ذلك إلى «المساواة» باعتبارها مقصداً شرعياً ثابتاً مصداقاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام «الناس سواسية كأسنان المشط». أما اليوم فإذا أردنا أن نُلقي اللوم على المتسبّب في هذه الممارسات الطائشة لبعض الإسلاميين المتشدّدين تجاه المسيحيين فإنّ اللوم يقع على القراءات المبتسرة للتاريخ الإسلامي، والاستناد إلى الممارسات التاريخية التي يتمّ الأخذ بها بمعزل عن الظروف المحيطة بها، واتخاذ الأحكام الثابتة من الاجتهادات السياسية الشخصية التي تتغيّر بتغيّر الظروف، وإهمال الأخذ بمقاصد الشريعة التي هي جوهر الإسلام ولبّه. ولا شكّ أنّ معالجة النظرة الدونية إلى المسيحيين والعمليات الإرهابية التي تطال الكنائس والأديرة لا تتطلّب فقط السعي إلى الكشف عن الخلايا المقاتلة أو المخططات الإرهابية الآنية بل تستلزم السعي إلى معالجة كيفية تعامل المسلمين مع التراث الديني وآلية قراءتهم للنصوص التاريخية، لأنّ بدون هذه القراءة ستصبح النصوص الدينية أداة في يد المتشدّدين والإرهابيين يستخدمونها سلاحاً فتاكاً لمحاربة مبادئ التسامح والاحترام وللقضاء على كلّ معالم الحبّ والجمال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها