النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

وثائق اللواء هجرس ويكيليكس!

رابط مختصر
العدد 7935 الجمعة 31 ديسمبر 2010 الموافق 25 محرم 1431هـ

أسوأ ما يمكن أن يترتب على ‏نشر وثائق وزارة الخارجية الأمريكية على موقع ويكيليكس الإلكتروني، ‏أن يتصور الذين يقرأون ما نشر منها، ‏أنها تنطوي على الحقيقة الكاملة، ‏لمجرد أنها وثائق وسرية كذلك، ‏أو أن يعتمدوا عليها وحدها في قراءة أحداث النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحالي، ‏أو يستندوا إلى ما ورد فيها في اتخاذ مواقف سياسية سواء كانت سلبية أم إيجابية. وعلى عكس ما يتصور كثيرون، ‏فليس كل ما يوصف بأنه وثيقة يكون كذلك، ‏وحتى لو كان كذلك، ‏فإن الوثيقة ليست دائما عنوان الحقيقة، ‏لذلك يحرص الباحثون في التاريخ الذين يرجعون إلى الوثائق الرسمية كمصدر من مصادر البحث، ‏علي التأكد قبل الاستشهاد بها ـ لنفي أو إثبات حقيقة ـ علي التأكد أولا من أنها صدرت بالفعل من الجهة التي نسبت إليها، ‏استرشادا بما تحمله من أختام رسمية لتلك الجهة، ‏ويحرصون على التيقن من أن توقيع المسؤول الذي نسبت إليه هو توقيعه، ‏وهي مهام لا يتبعها الباحثون مع الوثائق السرية التي تودع في دور الوثائق الرسمية، ‏ولا يباح الاطلاع عليها إلا بعد ثلاثين سنة من صدورها، ‏لأن إيداعها في دار الوثائق الرسمية، ‏بمثابة تسليم من الجهة التي أودعتها بأنها وثيقة صحيحة. أما السبب فلأن الوثائق يمكن أن تزور لأسباب سياسية أو مادية، ‏يسعى إليها الذين يزورونها، ‏لحسابهم أو لحساب غيرهم، ‏وهي ظاهرة ليست نادرة الحدوث حتى في بلادنا العربية نفسها. حدث في فبراير عام‏ 1951، ‏أن اتصل ضابط سابق بإدارة المخابرات الحربية، ‏اسمه اللواء هجرس بأحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين ـ وكان يرأسه آنذاك د‏. ‏محمد حسين هيكل باشا، ‏الذي كان يرأس كذلك مجلس الشيوخ ـ وأطلعه على ‏صورة بالقلم الرصاص من خطاب أرسله مصطفى باشا النحاس ـ رئيس الوزراء ورئيس حزب الوفد ـ إلى المفوضية الروسية، ‏بالقاهرة يقول فيه، ‏إنه قليل الرجاء في نجاح المفاوضات التي كان يجريها آنذاك مع بريطانيا لإتمام الجلاء عن قاعدة قناة السويس، ‏وأنه حين يتحقق من إخفاق المحادثات معهم، ‏فسوف يتعاون مع السوفيت ويختمه بشكر المفوضية على المعاونة المادية التي قدمتها للوفد. وأثار نص الوثيقة لعاب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يناصبون الوفد العداء، ‏خصوصا بعد أن فاز عليهم في الانتخابات التي جرت قبل عام فوزا ساحقا، ‏إذ كان مجرد المرور أمام مبنى المفوضية الروسية ـ إلى سفارة الاتحاد السوفيتي ـ في ذلك الوقت، ‏جريمة كبرى، ‏ومثارا للشبهة، ‏فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بمذكرة سرية، ‏تحمل توقيع رئيس الوزراء وزعيم الأغلبية البرلمانية، ‏وتنطوي على ‏تأكيده باستعداده للتحالف معهم ضد الإنجليز، ‏وإشارة إلى أنهم سبق أن قدموا له وللحزب الذي يرأسه معونات مادية، ‏مما يجعلها وثيقة بالغة الخطورة، ‏سيؤدي الحصول على نسخة منها وإبلاغها إلى أصحاب الشأن، ‏إلى ‏نسف حكومة النحاس، ‏لتخلو مقاعدها للأحرار الدستوريين وحلفائهم ربما إلى الأبد. وأسفرت المداولات بين أقطاب الأحرار الدستوريين عن الموافقة على دفع المبلغ الذي طلبه اللواء هجرس ثمنا لإحضار أصل الوثيقة، ‏وهو خمسون جنيها، ‏وكلف هيكل باشا، ‏رئيس الحزب ابن عم له يتقن التصوير بالتقاط صورة فوتوغرافية لها في منزل هجرس، ‏الذي ذكر أنه لا يستطيع إبقاء الأصل معه أكثر من ساعتين، ‏ووعد بالحصول على وثيقة أخرى في السياق نفسه. وبعدها بأيام، ‏أعاد اللواء هجرس الاتصال بالقطب الدستوري، ‏ليبلغه أنه يستطيع أن يحصل على وثيقة أخرى، ‏تؤيد ما ورد في الوثيقة الأولى بشكل قوي، ‏فهي ليست مكتوبة ـ كالأولى ـ بالآلة الكاتبة، ‏ولكن بخط يد محمود شوقي ابن شقيقة النحاس، ‏وسكرتير عام مجلس الوزراء، ‏وتحمل توقيع النحاس كذلك، ‏وتضيف إلى ما ورد في الوثيقة الأولى، ‏عبارات يقول فيها رئيس الوزراء المصري للوزير المفوض الروسي، ‏إنه يشعر بأن هناك تعديلا مهما سيجري في القيادة، ‏وأنه سيبذل جهده لمنع هذا التعديل قبل وقوعه، ‏ووافق الأحرار الدستوريون على شراء حق التقاط صورة فوتوغرافية من الوثيقة الثانية، ‏ودفعوا له المعلوم. وتبادل أقطاب الأحرار الدستوريين فيما بينهم الرأي حول الوسيلة المثلى التي يستثمرون بها هذا الكنز من الوثائق الذي وصل إلى أيديهم، ‏استثمارا سياسيا يطيح بوزارة النحاس، ‏وقد يقضي على حزب الوفد نهائيا، ‏واستبعدوا فكرة نشرها في الصحف، ‏لأن الحكومة ـ في تقديرهم ـ ستسارع إلى تكذيبها، ‏وانتهوا إلى قرار بتكليف محمد علي علوبة باشا ـ المحامي الكبير ووزير العدل السابق ـ بتقديمها إلى الديوان الملكي، ‏فقابل حسن يوسف باشا، ‏رئيس الديوان الملكي بالنيابة، ‏وقدم له الوثيقة الأولى، ‏طالبا إليه التثبت من صحة توقيع النحاس عليها بما قد يكون في الديوان من أوراق تحمل توقيعه، ‏فلما كشفت المضاهاة عن تطابقهما، ‏قرر رئيس الديوان أن يعرض الأمر على الملك ليقرر ما يراه، ‏وطلب من علوبة باشا، ‏أن يزوده بالوثيقة الثانية، ‏لتكشف المضاهاة بالعين المجردة، ‏عن تطابق الخط الذي كتبت به، ‏مع خط محمود شوقي، ‏وعن أن التوقيع عليها هو توقيع مصطفى النحاس. وكان لافتا لنظر‏‏علوبة باشا، ‏أن رئيس الديوان، ‏أصر على أن يقدم هيكل باشا، ‏الوثائق بنفسه، ‏إلى الملك في لقاء بينهما، ‏باعتباره رئيس الحزب الذي حصل عليها، ‏أو على الأقل يقدمها رسميا إلى رئيس الديوان، ‏وتردد هيكل طويلا، ‏ثم قبل أخيرا تحت ضغط زملائه في الحزب، ‏الذين تفاءلوا بهذه الدعوة، ‏وتوقعوا أن تعيد العلاقات بين القصر والحزب التي كانت قد انقطعت، ‏وأن تكون بداية الخطوات التي ستنتهي بانفجار قنبلة وثائق اللواء هجرس في وجه وزارة النحاس، ‏لتطيح بها، ‏ويعود الأحرار الدستوريون إلى الحكم بثمن لا يتجاوز مائة جنيه هو الأجر الذي تقاضاه هجرس‏!‏ وتم اللقاء‏.. ‏وبعد أشهر منه فوجئ هيكل باشا بالنائب العام يجري تحقيقا معه، ‏في بلاغ تقدم به إليه رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا يقول فيه‏: ‏إن الفحص الدقيق أثبت أنهما مزورتان، ‏وأن الذي زورهما قدمهما إلى هيكل باشا، ‏الذي قدمهما بنفسه إلى الديوان الملكي، ‏فيكون بذلك قد ارتكب جريمة استعمال أوراق مزورة مع علمه بتزويرها، ‏وكشف التحقيق عن أن المزور الأصلي للوثائق هو موظف سابق بالسكك الحديدية، ‏اسمه عبد‏‏العزيز جاد الحق، ‏وأنه الذي قدم الوثائق للواء سليمان هجرس وقدم الاثنان للمحاكمة، ‏وحفظ التحقيق مع هيكل باشا، ‏وعلوبة باشا بعد أن انفجرت قنبلة وثائق هجرس ويكيليكس في وجه حزب الأحرار الدستوريين وليس في وجه حكومة الوفد، ‏لذا لزم التنويه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها