النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

وثائق ويكيليكس ونمائم السفراء الأمريكيين

رابط مختصر
العدد 7928 الجمعة 24 ديسمبر 2010 الموافق 18 محرم 1431هـ

أثار نشر موقع ويكيليكس الإلكتروني‏،‏لوثائق وزارة الخارجية الأمريكية بين عامي‏ 2006 ‏و2009، ‏ضجة تتجاوز بكثير أهمية الأسرار التي أذيعت حتي الآن‏، مما تحتويه هذه الوثائق‏، ‏فإذا كان ما لم ينشر منها حتي الآن‏،‏أو ما هدد جوليان أسانج ـ صاحب الموقع ـ بنشره في حالة تسليمه للولايات المتحدة‏، ‏لمحاكمته فيها‏، ‏من النوع نفسه الذي نشر حتي الآن‏، ‏فإن قيمة ما حصل عليه أسانج من وثائق تظل محدودة‏، ‏وما تنطوي عليه من معلومات‏،‏نشر الكثير منها من قبل، ‏عبر تسريبات صحفية أو إعلامية‏، أو عبر استنتاجات توصل إليها المحللون السياسيون،‏بقراءة المواقف والتصريحات العلنية،‏لن تكشف أسرارا دراماتيكية تقلب فهمنا للسياسة الدولية‏،‏خلال العقد الماضي من القرن الحادي والعشرين‏.‏ ما يدعو للظن بأن وثائق ويكيليكس لن تنطوي على مفاجآت كبيرة‏، ‏أنها كلها من وثائق وزارة الخارجية الأمريكية‏، ‏وهي في معظمها تقارير وخطابات متبادلة بين السفارات الأمريكية في دول العالم،و‏‏بين وزير الخارجية أو معاونيه، تتضمن في العادة،‏تقارير عن الأوضاع الداخلية في هذه البلاد‏، ‏وعن العلاقات الثنائية بينها وبين واشنطن‏، ‏يستقي السفراء الأمريكيون مادتها من المسؤولين الرسميين عن هذه الملفات في البلد المعني‏، ‏ومن الطبقة السياسية فيه،‏ومن قراءة وتحليل الصحف‏، ‏ومما يسمعونه في المنتديات،‏أو ينقله إليهم زملاؤهم من الدبلوماسيين، وهي في الأغلب الأعم‏، ‏تنطوي على قدر كبير من النمائم الشخصية والانطباعات الذاتية التي يكونها السفير ومعاونوه‏، ‏عمن يتعامل معهم‏، ‏وعلى أخبار لم يتثبتوا من صحتها‏، وليس من التوقع أن تنطوي على أسرار تغير ملامح الصورة المعروفة عن علاقات الولايات المتحدة بدول العالم‏، ‏وإن كان نشر بعضها‏، ‏قد يسبب حرجا لبعض السفراء الأمريكيين‏، ‏الذين تضمنت تقاريرهم السرية لحكوماتهم‏، ‏انطباعات سلبية أو نمائم شخصية‏، ‏ضد رؤساء الدول التي يخدمون فيها‏، ‏وهو ما دفع الخارجية الأمريكية ـ بعد نشر هذه التقارير ـ إلى التفكير في إجراء تعديلات بين ممثليها في الخارج‏، ‏تجنبا للحساسية التي سوف يشعر بها رؤساء هذه الدول‏، ‏تجاه السفراء الذين كتبوا هذه التقارير‏، ‏ولكنها عدلت عن الفكرة فيما بعد‏، ‏مما يؤكد أنها لم تجد في الوثائق التي تسربت‏، ‏ما يدعو لحرج كثير‏، ‏يحول دون تعامل هؤلاء السفراء مع أولئك السفراء‏.‏ ووثائق وزارة الخارجية الأمريكية‏، ‏شأنها في ذلك شأن كل الوثائق الرسمية‏، ‏الأمريكية وغير الأمريكية تصنف عادة من حيث درجة سريتها كتدرج هرمي‏، ‏يبدأ بالوثائق العادية‏، ‏التي يباح لكل المتعاملين معها الاطلاع عليها‏، ‏ثم تتلوها الوثائق السرية التي يقصد الاطلاع عليها على عدد محدود ممن تتطلب وظائفهم ذلك‏، ‏في مستويات من السرية‏، ‏يقل مع كل مستوى عدد هؤلاء‏، ‏ليقتصر في القمة على شخصين أو ثلاثة‏، ‏تشمل سري وسري جدا وسري للغاية‏، ‏ومحظور‏، ‏وطبقا لما نشر ـ حتي الآن ـ عن تصنيف وثائق ويكيليكس هو من درجة سري‏، ‏وأن عددا قليلا منها هو الذي يصل إلي سري للغاية وليس من بينها ما هو محظور‏، ‏وهو ما يبعد احتمال أن يتضمن ما لم ينشر من هذه الوثائق‏، ‏معلومات تقلب العالم رأسا علي عقب‏..‏ وربما يكون من المبالغة‏، ‏القول بأن عصر الإنترنت قد قضي على زمن التعتيم على المعلومات‏، ‏وأتاح الفرصة أمام إنسان القرن العشرين‏، ‏لكي يتمتع أخيرا بأحد حقوق الإنسان الأساسية‏، ‏وهو الحق في المعرفة‏، ‏وأن وثائق ويكيليكس هي قمة جبل الثلج الذي سوف يحطم الأسوار التي تحيط بها الدول أسرارها‏، ‏وتخفي وراءها ما ترتكبه من جرائم في حق شعوبها‏، ‏فلا تعرف عنها شيئا إلا بعد ثلاثين عاما‏، ‏وهي المدة‏، ‏التي تعطي قوانين الوثائق في معظم دول العالم‏، ‏للحكومات الحق في فرض السرية علي الوثائق التي تعتبرها ماسة بأمن الدول وبالمصلحة العامة‏، ‏يكون خلالها الذين ارتكبوا هذه الجرائم قد رحلوا عن الدنيا‏.‏ والحقيقة أنه ليس للإنترنت فضل كبير في حصول موقع ويكيليكس علي وثائق الخارجية الأمريكية‏، ‏إذ لم يثبت حتي الآن‏، ‏أنه نجح في اختراق شبكة الاتصال بين وزارتي الخارجية والدفاع‏، ‏والدخول إليه‏، ‏ونقل الوثائق منه‏، ‏والمعلومات المتاحة حتى الآن‏، ‏هو أن أحد المحللين الذين يعملون في هذه الشبكة‏، ‏ممن يملكون الحق في الاطلاع ـ بحكم وظائفهم ـ على جانب منها‏، ‏مصنف بدرجتي سري وسري جدا‏، ‏هو الذي نقل الوثائق على أسطوانة مدمجة‏، ‏وأرسلها إلي جوليان أسانج الذي اقتصر دوره على نشرها‏، ‏وليس على ‏الحصول عليها‏، ‏وكان المستوي المحدد من السرية المتاح لهذا المحلل الاطلاع عليه‏، ‏هو الذي حصر الوثائق المتاحة له نقلها عند هذا المستوى دون المستويات الأخطر‏، ‏والأكثر أهمية‏.‏ ولو أن جوليان أسانج كان قد نجح في اختراق شبكات الإنترنت التي تخزن عليها الولايات المتحدة الأمريكية‏، ‏وثائقها السرية الحقيقية‏، ‏لما وصل فقط إلى وثائق الخارجية الأمريكية المصنفة بدرجتي السرية الأهم‏، ‏وهما سري للغاية ومحظور‏، ‏بل لوصل ـ كذلك إلى أخطر وأهم الوثائق المتعلقة بأمن الولايات المتحدة‏، ‏وهي الوثائق الخاصة بالمخابرات المركزية الأمريكية‏، ‏التي تتولى المهمة الأساسية في توفير المعلومات‏، ‏واقتراح السياسات والخطط التي تقوم عليها الإستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العالم‏، ‏فضلا عن أنها تنطوي على معلومات أساسية‏، ‏عن أوضاع كل دول العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية‏، ‏تحملها تقارير المسؤولين عن محطات المخابرات الأمريكية المنتشرة في مناطق مختلفة من العالم‏، ‏فضلا عن مندوبي الوكالة‏، ‏الذين يلحقون بالسفارات الأمريكية في كل دول العالم‏، ‏تحت غطاء دبلوماسي‏، ‏ويرسلون تقاريرهم إلى رئاستهم مباشرة من دون أن يطلع عليها الغير‏، ‏بل ويقومون أحيانا بمهام سياسية تدخل في اختصاصه من دون علمه‏، ‏ويتولون صياغة علاقة واشنطن بالدول التي يعملون بها‏، ‏من خلف ظهره‏.‏ ومعنى الكلام أن التجسس على الدول أو إفشاء أسرارها‏، ‏لايزال يعتمد علي العنصر البشري‏، ‏وأن جوليان أسانج لم يحدث اختراقا أساسيا في منظومة التعتيم التي تفرضها الدول علي أخبارها وأسرارها‏، ‏ولو كان ذلك ممكنا‏، ‏لكانت المخابرات الأمريكية أو غيرها من مخابرات الدول الكبري‏، ‏أقدر على أن تخترق شبكات الأمن التي تتعلق بكل الدول‏، ‏بل ولاستطاع المعارضون لحكومات هذه الدولة أن يفعلوا الشيء نفسه‏، ‏بل ولاستطاعت المنظمات الإرهابية الدولية‏، ‏أن تستفيد من هذه المعلومات في توجيه ضرباتها‏، ‏أو توقي ما قد يوجه إليها من ضربات‏!‏ وربما يكون من الضروري أن تلزم الشعوب حكوماتها باحترام حقها في المعرفة‏، ‏وأن تصدر قوانين لإتاحة الحق في الحصول علي المعلومات‏، ‏وألا تفرض السرية‏، ‏إلا في أضيق نطاق‏، ‏ولمدد قصيرة‏، ‏لأسباب تتعلق بالأمن القومي فعلا‏، ‏وليس لإخفاء أخطائها أو خديعة شعوبها‏، ‏وآنذاك فلن يجد أسانج من يبيع له نصف مليون وثيقة تتضمن نمائم السفراء الأمريكيين‏، ‏التي يضمنونها تقاريرهم ويرسلونها إلي حكومتهم‏، ‏فتتعامل معا باستهانة وتصنفها في درجة سري فقط ولولا ذلك لما حصل عليها أسانج ونشرها متوهما أنها خطيرة للغاية‏.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها