النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

نصوص باردة ثقيلة على القلب

رابط مختصر
العدد 7925 الثلاثاء 21 ديسمبر 2010 الموافق 15 محرم 1431هـ

نتبادل في المناسبات هدايا ومفردات في أيام من السنة كتعبير اجتماعي وعاطفي بين البشر، وهي جزء من علاقات واسعة تتخطى الأيام الاستثنائية كالمناسبات والأعياد، وطالما أن المناسبات عادة دورية ننتظرها، فنحن ملزمون بالتعامل معها كل وفق طريقته، خاصة وان الزمن تبدل كثيرا خلال الخمسين سنة الأخيرة في بلادنا، إذ تلاشت تركيبة أحياء شعبية أو على اقل تقدير باتت شاحبة بتنوعات ثقافية وغرباء أصبحوا يشكلون بنية هذه الثقافة، وتركيبة أحياء جديدة متداخلة مع أحياء قديمة وامتداد لها، مما جعل ذاكرة العيد عندي ومرحلة الطفولة حالة التباس إنساني مشوب بحسرة، شعرت ذلك وأنا أراقب صبيحة العيد أطفال «الجفير القديمة» يتجولون في مساحة الفلل والبيوت المنتفخة بالنعمة في الجفير الجديدة، يطرقون أبوابها ويقرعون أجراسها، طلبا «للعيدية» ولكن من خرج لهم كان شخصا لا علاقة له بتلك المناسبة بل ولم يفهم لماذا يطرق الأطفال أبوابهم طلبا لتلك النقود الصغيرة، التي تدخل الفرحة في قلوبهم، كان على الصغار ترجمة الجمل بلكنة انجليزية «موني عيدية.. عيدية!!» ولكن جاري الغريب لم يستوعب المسألة، فطلب الاستنجاد والإنقاذ الفوري مني لهذه الجماعة من الأطفال وهم يتحلقون عند بابه ويتكلمون دفعة واحدة وكأنهم يزعقون في وجهه، كان علينا أن نتحاور قليلا بعد أن شرحت له انه العيد في البحرين وفي دول إسلامية كثيرة. ومن عادة الصغار في الأحياء القديمة، حينما كان الحي بيتا كبيرا واحدا لأهله وسكانه، فيدخل الإنسان كل بيت حيث ظلت الأبواب مفتوحة ودون أقفال، فزمن الأقفال هو زمن الغربة الداخلية للإنسان، دخل إلى فلته وتركني ولكني عشت مع أسئلتي وذاكرتي، فكلما اشتد خوفك فانك ملزم بالانطواء والعزلة وإغلاق منافذك كلها، هكذا بدت لنا الأسوار المرتفعة اليوم في الأحياء والمدن الجديدة، فغابت تلك الروح الحميمية لأحياء الأمس، وما تبقى الآن منها ليس إلا رائحة في طريق الاضمحلال والاندثار، خاصة في أحياء الأمس البعيد، فيما راحت بعضها تقاوم بشراسة بقائها الأبدي بروح الأمس، كانت الاحتفالات الإعلامية هنا وهناك تدفع بالآباء لحمل الحية بيه لأبنائهم عند شاطئ لم يعد كالأمس، حيث اختفت الأشرعة البحرية المهملة وقوارب الصيد المنتشية برائحة البحر، صار البحر بعيدا عنا، وصرنا نحن بعيدين عنه وعلينا مطاردة مساحة من الماء يرمي بها أطفالنا تلك «الحية بيه». ظلت الحنينية أغنية وظل المكان ذاكرة، ولكن الأشياء وحدها ماعادت تحتضن المعاني ذاتها، المعنى الاجتماعي والإنساني لكل علاقة إنسانية بين الجيران والأصدقاء. هكذا كنت استقبل على الهاتف النقال والايميل مفردات وعبارات التهنئة بالعيد، باهتة وباردة خالية من روحها الإنسانية، إذ لم يعد الأصدقاء قادرين على منح أنفسهم متسع من الوقت لكتابة كلمات نابعة من قلوبهم، حارة مثل تلك المشاعر الدفينة الجميلة، وإنما كانت عبارات منتقاة بتكلف بارد وبمفردات متكررة نضبت من الأحاسيس البسيطة بتلك المناسبة، مفردات تذكرك بالكاتب الصغير الذي يجلس عند عتبة الوزارات ويخط رسائل شاحبة بنفس الروح والملابس الرمادية، حيث المفردة ذاتها للجميع، حتى وان تبدلت الأسماء والتواقيع، فكاتب الرسالة وطلبها للمدير أو الوزير واحد، فهو وحده من حبر القلم ولمس طرفه بلسانه، ليخط سطرا جميلا وجملا رنانة حفظها عن غيب وبلادة، ولكنه كان يتوقع انها سوف تسحر المدير وصانع القرار، بمجرد أن تلمسها عينه، فيما الحقيقة ان بعضها كان طريقه سلة المهملات، التي لم تفرغ ذات يوم من رسائل مواطنين بؤساء جاؤوا يطرقون الحاجة عند مسؤول هارب من الوظيفة!! استلمت نصوصا مستنسخة هجينة بمشاعر متبدلة ومتطايرة وتائهة وكسولة، لم يجد أصحابها متسعا من الوقت في كتابة كلمات صغيرة عن الحب والمودة، فكان من الأفضل لهؤلاء أصحاب النصوص الباردة أن لا يكلفوا أنفسهم عناء المسجات، فمشاعر الإنسان صارت كثيرة التبلد بل وربما هناك شعور داخلي بتأنيب الضمير وجلد الذات لعادة يتوهم أصحابها أنهم معنيون بها كواجب اجتماعي وأخلاقي، فتلمسوا مشاعرهم واستنسخوها عبر مشاعر الغير، فنقلوها كما هي دون التمييز بين شخص وآخر، بين قلوب دافئة وحارة وألسنة وشفاه باردة ماتت عند بوابتها حقيقة الأشياء البعيدة في زمن الإنسان البسيط، كان على المثقفين يسارا ويمينا، معتدلين ومتدينين، أن يبعثوا بالنصوص ذاتها كنسخة واحدة لا غير، فالقلب الإنساني صار قالبا واحدا منمطا في منهج عادة بليدة! نسى الناس ان الكلام البسيط والعادي هو أكثر ترجمة لحقيقة المشاعر بدلا من تلك النصوص المتبادلة في هواتف كسولة، مغرقة في تزمتها وتشددها الديني بدلا من عبارة الأمس البعيد «من عواده» عيدك مبارك.. الخ من بساطة الأمس وروحها الغائبة، حيث تحولت الجمل إلى شعوذة كلام لا أهمية له عندك، فكان عليّ أن اضحك من المجاملة الاجتماعية التي هجرتها منذ وقت طويل، وهجرتني عندما توارى الحي القديم من سكانه وناسه. شعرت بالحسرة من كلمات وصلتني لا تمت لي بصلة ولا بنوعية تفكيري وطبيعتي ونمط حياتي، ولكنها في النهاية كانت عبارات التسويق المتبادل بين الناس حتى وإن لم تكن مكتوبة بروحنا نحن وبمشاعرنا ذاتها لا مشاعر الغير وطبيعتهم! من بعثوا لي بنصوص التهنئة أضافوا لي شعورا بالغربة، لكونهم لم يستوعبوا انني كما يقول المثل الشعبي عندنا «أنا كوجا مرحبا» مع تلك العبارات، التي لا تنتمي لي ولا انتمي لها في صنع مشاعر منسوخة ومشوهة! رحم الله الناس أيام زمان عندما كانت تقول كلاما قليلا، مختصرا، ولكنه شفافا وطيبا خارجا من أعماق القلب دون تكلف، حيث اللسان والشفاه مجرد أدوات تواصل لذلك القلب الطيب الحار والدافئ لا غير!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها