النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

هل أصبحت الديمقراطية كابوسًا؟

رابط مختصر
العدد 7914 الجمعة 10 ديسمبر 2010 الموافق 4 محرم 1431هـ

قُتل الإنسان ما أكفره، فهو لا يستقر على حال، ولا يطمئن إلى خيار، ولا يسكن إلى حلم، وهو يضيق بواقعه، ويتمنى تغييره، فما يكاد يفلت من أسره، ويحقق ما تمناه، حتى يحن إلى الماضي الذي ضاق به، ويتمنى العودة إليه.. لذلك قال الشاعر القديم.. وما سمي الإنسان إلا لنسيه.. ولا القلب إلا أنه يتقلب.‏ كان ذلك بعض ما قلته لصديق، لاحظ أن بعض النخب العربية التي ظلت تحكم ـ على امتداد سنوات طويلة ـ بتحديث نظم الحكم العربية لتصبح نظمًا ديمقراطية تحكمها دساتير حديثة، تقوم على قاعدة الأمة مصدر السلطات تضمن حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر، وحقوق التنظيم والانتخاب والترشيح والتظاهر السلمي، وما كاد جانب من هذه الأحلام يتحقق لها أو لغيرها، حتى ضاقت به، وعادت تحلم بالماضي السعيد، الذي لم تكن تعكره ديمقراطية أو تفسده حرية.‏ شيء من ذلك حدث في مصر على مشارف ثورة 23 يوليو 1952، فبعد ما يقرب من ثلاثين عاما من تحقيق حلم المصريين بإقامة حكم دستوري وطني، يقوم على التعددية الحزبية والحريات الديمقراطية، بدأ الناس يشعرون بأن الحلم قد تحول إلى كابوس، واقترن الحكم الديمقراطي في وجدانهم بظاهرة عدم استقرار الحكم، وتعطل إنجاز المشروعات التنموية وفساد إدارة الحكم وتدني مستوي معيشة الطبقات الشعبية، وكان ذلك هو السبب الرئيسي في أن المصريين قد رحبوا بثورة 23 يوليو، وأيدوا الإجراءات التي اتخذتها ضد كل الهياكل الديمقراطية، ومنها قرارات إلغاء الدستور وحل الأحزاب وتقييد حرية الصحافة، وأحبط ذلك التيار الذي كان يطالب ـ داخل مجلس قيادة الثورة ـ بعودة الجيش إلى ثكناته وتسليم الحكم إلى المدنيين، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، فلم يستطع أن يقاوم التيار الآخر في مجلس القيادة، الذي كان يري أن المصريين لم يستفيدوا شيئا من أعوام الديمقراطية الثلاثين، وأن البلاد المتخلفة اقتصاديا واجتماعيا كمصر، في حاجة إلي نظام ديكتاتوري، يقوده مستبد مستنير يستطيع أن يقفز بها فجوة التخلف، ويحقق لها مستوى من النمو الاقتصادي، يدعم الاستقلال الوطني، ويضمن للطبقات الشعبية حدا أدنى من مستوى المعيشة.‏ وبذلك حسم الشعب، الذي كان قد سئم النظام الديمقراطي، الصراع داخل مجلس قيادة الثورة، لصالح خيار المستبد العادل، فلم يجد الذين دافعوا عن الديمقراطية من أعضاء المجلس، مفرا من الاستقالة.‏ وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ، حظي فيها خيار يوليو الديمقراطي ـ أو غير الديمقراطي ـ بتأييد شعبي كاسح، لكل ـ أو معظم ـ ما اتخذه المستبد العادل من إجراءات، وانضموا إلي كل ما أقامه من تنظيمات غير حزبية، واحتشدوا بمئات الآلاف في مواكب التأييد والمساندة، بدأ الناس يضيقون بهذه الصيغة من الحكم، ويحنون إلي الزمن الذي كانت فيه مصر تتمتع بحكم دستوري يقوم على تعدد السلطات وتعدد الأحزاب، يتيح لهم حرية التعبير عن آرائهم، وممارسة حقوقهم في التنظيم والتظاهر السلمي باعتبارهم الأمة التي هي مصدر السلطات.‏ وهكذا عادت مصر مرة أخرى ـ منذ عام 1976‏ـ وبشكل تدريجي وإن كان إيقاعه بطيئا، إلى صيغة ديمقراطية تشبه الصيغة التي كانت قائمة في العصر الملكي الديمقراطي، فأخذت بشكل من أشكال التعددية الحزبية، واتسعت مساحة الحريات الديمقراطية، وخصوصا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، التي عاد المصريون خلالها، ليمارسوا بعض الحقوق الديمقراطية التي طال شوقهم إليها منذ أن توقفوا عن ممارستها منذ عام 1952، كالتظاهر السلمي والإضراب والوقفات الاحتجاجية.‏ وبعد أكثر من ثلاثين سنة على العودة إلى صيغة ديمقراطية تشبه ما كان قائما قبل ثورة 1952، عاد حلم يوليو الديمقراطي، ليعابث أقساما من الجماهير ومن النخبة السياسية تكثف لديها الإحساس بأن المرحلة الديمقراطية التي بدأت في السبعينيات لم تحقق الآمال التي يعقدونها عليها، وأنها تحولت ـ كديمقراطية ما قبل يوليو ـ إلى كابوس أو ما يشبه الكابوس، لأسباب متناقضة، يختلفون في تحديدها من بينها أنها تسير بإيقاع سلحفائي، وتتقدم خطوة إلى الأمام، لتعود خطوتين للخلف، وفي معظم الأحوال تسير بطريقة محلك سر ومن بينها أن الجماهير الشعبية، لم تستفد شيئا من هذه الديمقراطية، لأن معظم ثمارها قد وقع في يد الفئات التي استفادت من سياسة الانفتاح الاقتصادي، بل ربما تكون ـ علي العكس مما كان يتوقعه أصحاب هذا الرأي ـ قد أدت إلي مزيد من التدهور في مستوي معيشة الطبقات الشعبية.‏ وربما كان أحد أسباب المشكلة، هو أن كثيرين يسقطون على الديمقراطية، كل أحلامهم، بعالم مثالي ترفرف عليه رايات الحرية والرفاهية والعدل، ويتوهمون أن الديمقراطية، هي الحل الوحيد لكل مشاكل البشرية، كما أن كثيرين منهم ومن غيرهم، يتصورون أن تحقيق الحلم الديمقراطي بالمعايير الدولية التي استقرت في الغرب أمر بسيط وسهل، ولا يتطلب سوى إرادة سياسية لدى الذين يحكمون، ومع التسليم بأهمية توافر هذه الإرادة، فإنها لا تكفي وحدها لتحقيق الحلم، بل إن عدم توافرها ـ بالقدر الكافي ـ هو جزء من ظاهرة معقدة، تتعلق بطبيعة التطور الحضاري في الدول التي كانت تعرف إلي وقت قريب بـ دول العالم الثالث أو الدول النامية، الذي تعثر بسبب فجوة التقدم بينها وبين الدول التي سبقتها بقرون إلي الثورة الصناعية، وإلي الفكر الديمقراطي الذي أقام الدولة الحديثة، وخضوع معظمها للاستعمار، مما أدى إلى تقدم مشروع التحرر والاستقلال عن المشروع الديمقراطي، وهو ما يفرض علي الذين يشتاقون إلي الحلم الديمقراطي، أن يتذكروا أن الدول التي حققته، قد احتاجت إلى ما بين ثلاثة وأربعة قرون.‏ وربما لا يحتاج تحقيق الحلم في مصر والبلاد العربية والدول النامية، إلى نفس المدة، ولكنه يتطلب صبرا ومثابرة وإصرارا ممن يتبنون هذا الحلم، لتعديل البيئة الاجتماعية والسياسية التي تمارس فيها الديمقراطية، والعمل على نفي تأثير العوامل غير السياسية التي تؤثر علي ممارستها، كالعوامل القبلية والجهوية والدينية، ونقص الوعي السياسي لدى الناخبين، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب والفصل بين ما هو ديني وسياسي واستغلال المال السياسي...‏إلخ، وأن يتذكروا أن آليات الديمقراطية في مقدمتها الانتخابات العامة ليست حلا سحريا لكل مشاكل البشر، وأنها لا تخلو من عيوب ومثالب ولكنها الوسيلة الوحيدة الأقل ضررا التي توصل إليها البشر حتي الآن، لكي يشارك الناس في حكم أنفسهم بأنفسهم.‏ والطريق الذي طوله ألف ميل، يبدأ بخطوة واحدة صحيحة.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها