النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الحجّ السوبر ديلوكس

رابط مختصر
العدد 7911 الثلاثاء 7 ديسمبر 2010 الموافق غرة محرم 1431ه

في السابق كنّا إذا سئمنا من سهولة الحياة ويسرها وأردنا أن نخرج من جوّ المدينة ذهبنا إلى البرّ لنجد بانتظارنا خيمة متهرّئة مفروشة بسجادة لا تكاد تُخفي تعرّج الأرض تحتها ومصباحاً وحيداً يعمل بالغاز وعلب اللوبة والنخّي الأخضر التي بالكاد تؤلّف لنا وجبة نعدّها بواسطة «الجولة» الزرقاء لتملأ معدتنا وتساعدنا على تحمّل برودة الطقس. أما اليوم فلقد زرت العديد من المخيّمات فوجدت بها من مظاهر البذخ ما لا أجده في المدينة، بدءاً من الخيام التي تشبه صالات الأفراح، ومروراً بالوجبات التي تحمل ما لذّ وطاب مما لا نأكله في حياتنا العادية، وصولاً إلى حمامات الخمس نجوم، فلا أكاد أشعر في هذه المخيمات أنني خرجت من جوّ المدينة، بل أشعر أنني خرجت من حياة يسيرة إلى حياة أكثر يسراً. الأمر ذاته ينطبق أيضاً على رحلات العمرة والحجّ، فهذه الرحلات الروحانية كانت تفترض فينا أن ننقطع إلى الله، وأن نتخلّى عن ملابس النعمة لنلبس قطعتي قماش خاليتين من أي تطريز، ونتخلّص بهما من أوضار الحياة ونعيش في جوّ من الزهد في الحياة، ونبتعد عن العالم بكلّ ضوضائه وصخبه ونكرّس وقتنا للعبادة والصلاة وقراءة القرآن والذكر والتأمّل. ما زلت أذكر أوّل عمرة لي وكأنها حدثت بالأمس. كنا ستة وعشرين معتمراً مستقلّين حافلة تسع ستة وعشرين راكباً. ولم تكن بالحافلة ستائر تقينا حرّ الصحراء، واضطررنا خلال الرحلة من البحرين إلى مكّة التي استغرقت ثماني عشرة ساعة أن نقضيها بدون مكيّف بسبب عطل أصابه. ما زلت أذكر تلك الغرفة التي سكنّا فيها، وهي تكاد تخلو من وسائل الراحة إلا من سجادة ومكيّف. وكنا نفرش مراقدنا للنوم ليلاً ونطويها نهاراً. وكانت المسافة من مقرّ سكننا تحتاج إلى نصف ساعة نقطعها نزولاً أثناء ذهابنا للحرم وصعوداً أثناء رجوعنا منه. كانت وجبات الإفطار لا تتغيّر أبداً، خبز لبناني وجبن مثلثات وعسل، وكان بخاري الدجاج ينتظرنا يومياً على مائدة الغداء، أما العشاء فهو إما سندويتش شاورما أو طعمية. ولم تكن الوجبات تعنينا بقدر ما تعنينا الصلاة في بيت الله والمصاحف التي بأيدينا والمزارات التي نزورها. لم يكن هذا حالي وحال المعتمرين الذين كانوا معي في الرحلة، بل كان هذا هو المستوى الذي يعيشه المعتمر والحاجّ البحريني، وكانت المشقّة التي نتكبّدها تُشعرنا بحجم التضحية التي قمنا لبلوغ بيت الله وزيارة نبيّه عليه الصلاة والسلام. أما اليوم فإنّ مظاهر البذخ التي انتقلت إلينا من الحملات الخليجية للحج والعمرة تكاد تُفقد الناس روحانية بيت الله وحلاوة الانقطاع والتبتّل إليه. فهل هناك من داعٍ لأن تكون جميع الوجبات للحجاج والمعتمرين من البوفيهات الفاخرة التي تحوي ما لذّ وطاب من الأكلات البحرية (في مكّة التي ليس بها بحر!) والسوشي والباستا والجيكن ماكاني وغيرها مما لا يأكله الحاج والمعتمر ربّما في حياته العادية؟ والنتيجة من ذلك أنّ رحلة الحج أصبحت تكلّف أكثر من ألف دينار، ليس بسبب ارتفاع أسعار السكن بمكّة فقط، ولا بسبب ارتفاع أسعار المواصلات، ولا بسبب الرسوم المفروضة على تأجير خيام منى وعرفة، ولكن أيضاً بسبب مظاهر البذخ التي صار البحريني لا يطلب أقلّ منها، وصار مستعدّاً لأن يتصارع مع أصحاب الحملة إذا لم تتوفّر له. والخوف كلّ الخوف أن يكون ذلك على حساب الروحانيات التي من المفترض على كلّ حاج ومعتمر أن يعيشها في هذه المناسك. فالتركيز على الوجبات الفاخرة والسكن الفاره والغرف المطلّة على الكعبة قد يُفقد الحاجّ أو المعتمر كثيراً من التركيز على الممارسات الروحانية والعبادية. وهنا يأتي دور الدعاة والواعظين لكي يعيدوا للحج والعمرة جوّها الروحاني المستلب، وأن يقوموا بتوعية القائمين على حملات الحج والعمرة بحيث لا يزيدوا من مظاهر البذخ والإسراف، وأن يكون تركيزهم على توفير الجوّ الروحاني لأداء مناسك الحج والعمرة بمنتهى الخشوع والتبتّل. كما يجب عليهم أيضاً توعية الحجّاج والمعتمرين بضرورة الاقتصاد في «الصوغة» التي أصبحت الشغل لهم، وكان ذلك على حساب تركيزهم في العبادة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها