النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

ثلاثة أعداء للفلسفة «2»

رابط مختصر
العدد 7911 الثلاثاء 7 ديسمبر 2010 الموافق غرة محرم 1431ه

كتبنا في المقالة الأولى عن الأعداء الثلاثة بشكل عام، غير اننا اليوم نسأل هل كان هؤلاء الثلاثة أعداءً موجودين بيننا!؟ كان الأعداء الثلاثة يرزحون في القرية والمدينة يلاحقون من حملوا كتب التنوير والفلسفة «التدميرية – لكل قديم - لكل فكر سائد وتقليدي يقف ضد حركة التغيير والتاريخ» من اجل بناء عالم جديد ومختلف. لقد كان رجال الدين وان لم يكن هناك حلف مقدس مع سلطة الانجليز والرجعية يلتقون في العداء التقليدي الثابت للفكر العلمي والفلسفة المادية ويسعون إلى تأييد الثوابت العمياء والدوغمائية والجمود في المجتمع، بتكميم الأفواه وترهيب عقل الإنسان العادي في الريف والمدينة، وتحجير العقل ومعاقبته بمصادر الخوف ومرجعية التسلط. هكذا عاشت الأفكار المادية والفلسفية في بدايتها في الجزيرة، والتي كمنت تتربص لحراكية هذا النمط من الأفكار الثورية الانقلابية داخل المجتمع، لاحقته الأعين والألسن والإشاعات المغرضة، فحاملو هذه الفلسفة ليسوا إلا زنادقة جدد وملحدين جاؤوا بعد المستشرقين ينشرون فكرا معاديا للسلطة والدين، فتلاقت الإرادتان معا في اضطهاد فكر مستورد وغزو ثقافي وفكري خطير، بل وصارت مفردة الخطورة أشبه بوباء سكاني كالطاعون، فتحولت المنابر والمكبرات والأمكنة مناطق مشاعة لملاحقة الزنادقة الجدد، فصار كارل مارس الملتحي وصاحبه فردريك انجلز قساوسة جدد في الجزيرة يبحث البوليس عن كتبهم، وينقب عن أفكارهم في رؤوس وعقول المثقفين كنخبة صغيرة مقفلة. هكذا عاش سارتر الوجودي بفلسفته وماركس وانجلز الشيوعيان بكتبهما الفلسفية والفكرية ملاحقين ليلا ونهارا، إذ لم يكن فقط ممنوع البيان الشيوعي ككراس صغير بل، وكان كتاب لودفيخ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ممنوعا أيضا مثل ما كان كتاب بؤس الفلسفة ورأس المال لماركس، وانتي دوهرنغ وديالكتيك الطبيعة لانجلز، كلها كانت كالشياطين المحرمة، كتب اقل منها أهمية لجورج حنا وسلامة موسى تبعث على القشعريرة كلما اقتربت من أسئلة محرمة في الفلسفة، إذ حرم المجتمع من معرفة الأسئلة المادية عن المجتمع والطبيعة والفكر، صار الوجود والعدم لسارتر حالة منبوذة، ولكن المثقفون الأوائل في البحرين حملوا من الخارج تحت إبطهم الكتب الممنوعة والمحرمة من أسئلة الفلسفة المخيفة، التي تمس جذور الثابت نحو المتحول، كان مقهى جواد المقابل لشركة البرق واللاسلكي في سوق المنامة علامة تاريخية مهمة للحوار، لذلك الرعيل الجامعي القادم من الخارج، والذي كان في كل صيف يشحن فضاء المدينة بضجيج الصراعات العالمية والعربية ويلاحق الجديد من الكتب والأفكار، كان البعثيون والقوميون والشيوعيون وأصدقاؤهم من الطلبة، يدخلون في نقاشات حامية، لا تمس السياسة وحدها والاقتصاد والمجتمع وإنما أيضا تدخل في صلب الفلسفة وأسئلتها المثالية والمادية، فيما راحت الفلسفات القادمة من وراء الحجب والظلام، تسعى لتكريس وجودها التاريخي، تارة في مواسم عاشوراء، حيث خطباء العراق يتحفوننا بنقاشات كثيرة «وترهات لغوية» عن دحضهم للمادية فيما هم في الحقيقة جاؤوا لمناسبة حسينية، كنا يومها نستمتع بخطب الوائلي في مأتم بن سلوم والشامي في مأتم القصاب وغيره من مآتم محيط حي الحمام والمخارقة، حيث كان عاشوراء أشبه بكرنفال ديني ثقافي وشعبي، يمتزج فيه الغزل بالسياسة والحب بالبكاء والألم. كانت البحرين دائما تمور وتتموج بثقافة ثنائية في الصراع والتنوع، فلم يغب عن الجزيرة خلال النصف قرن الأخير أصحاب اللحى والعمائم الماديون والمثاليون، محاولا كل طرف نشر أفكاره وفلسفته، بل وانتشرت الكتب في مكتبات البحرين مثلها مثل الخلايا السرية، تنشر الأفكار المتضادة والمتضاربة، دون أن يتوقف العسس عن رصد كل تلك الأفكار، فمثل ما كان سيد قطب والبناء ممنوعين، فان ماركس وانجلز ولينين وغيرهم أيضا كانوا ممنوعين من الانتشار والذيوع . في هذه المرحلة سنلتقي بمفردات الشعب اليومية فأنت على موعد مع أفراد يقولون لك:«لا تتفلسف علينا» فتكتشف أن المقولة تعبر عن معنى إن كلامك غامض وصعب وغير مفهوم، فبلغت الفلسفة في ذهن العامة ذلك المفهوم السحري الغامض لشلة مثقفين حملوا لهم الكتب والأفكار الغريبة الجديدة بكل مفرداتها ونصوصها المعقدة الصعبة يومذاك. لا تتفلسف علينا، صارت عمليا تحت ضغط المجتمع حالة مطاردة، فكنا أمام أوضاع صعبة في بيوت الأصدقاء، فتم منعنا من دخول البيوت لكوننا نحمل فكرا فلسفيا ماديا مخيفا. اليوم صارت البحرين تزخر بالجامعات وبالمجموعات المهتمة بالشأن الفلسفي، ليس على الصعيد الثقافي والتنظيمي وحسب بل وعلى صعيد المنهج البحثي والأكاديمي، لتتحول عملية الاشتغال بالفلسفة إلى اهتمام منظم وممنهج كحقل مستقل بذاته، دون أن يغفل علاقته بحقول معرفية متعددة، تهز أسئلة العقل كجوهر طبيعي وأساسي للإنسان والحياة ونظرية المعرفة، التي انتقلت من المحسوس إلى المجرد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها