النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

إعادة توجيه الدعم الحكومي... مراجعة أخرى

رابط مختصر
العدد 7910 الاثنين 6 ديسمبر 2010 الموافق 30 ذو الحجة 1431هـ

حمل الحديث عن نية «إعادة الدعم الحكومي» لبعض السلع الاستهلاكية الذي سطرته الصحافة المحلية، سعياً في الإضاءة أو الإثارة، كثيراً من المواضيع الاقتصادية التي تخفي في ثناياها مفاهيم وصعوبات تقنية، قد تبدو ظاهرياً أفكاراً سهلة وجيدة على مسمع وفهم الجمهور البعيد عن دهاليز علم الاقتصاد وبناء السياسات الاقتصادية، والباحث عادة عن شيء يعطيه الإحساس بالرضا العاطفي أو السياسي. فقد تحرف الممارسة المعيشية اليومية في الإنفاق أو طريقة الحصول على الأموال في ترسيخ أفكار خاطئة عن كثير من قضايا الاقتصاد لدى أفراد من المجتمع، سواءً بسبب تبسيطها إلى درجة الابتذال المعرفي أو تجزئة القضايا الاقتصادية الكلية في التحليل أو عدم النظر إليها كوحدة مترابطة الأجزاء ومتشابكة العلاقات بصورة عامة أو نتيجة ترسّخ معتقدات أو نظريات ملائمة للآراء السياسية المسبقة. ويزداد ضجيج الأحاديث عن موضوع «إعادة توجيه الدعم»، عندما تزحف شعارات الآراء والأحكام الذاتية بعنف على ساحة النقاش، وتحتل مكان التفكير والتأمل في تلك القضية؛ وهذا يعني تقلص دور التحليل الاقتصادي وإعطاءه دوراً ضعيفاً في بناء السياسة الاقتصادية التي ترمي بصورة عامة إلى تحقيق أهداف محددة. ولا شك أن الشعارات التي تتغلب على التحليل الاقتصادي تعطي انطباعاً وشعوراً بالراحة من عناء التفكير. إن إثارة موضوع إعادة الدعم الحكومي أثناء المناقشات العامة، كما يبدو يدفع إلى الخلط في عرض بعض المفاهيم الاقتصادية التي يجهلها الكثيرون، وخاصة بشأن الآثار التي يمكن أن تنتج جراء تطبيق وقف سياسية الدعم لبعض السلع الاستهلاكية. فقد جاء التوقع بقرار وقف الدعم عن المحروقات بتأثيرات سلبية تتمثل في رفع معدل التضخم الذي سيؤدي إلى خفض مستوى المعيشة وسيوسع دائرة الفقر. فقد يخلق سماع كلمة ارتفاع هذا المعدل «معدل التضخم» الرعب في نفوس الأفراد في الوهلة الأولى من خلال الحشد الدائم والبعيد عن الموضوعية الاقتصادية، ويقود ذلك إلى قفز الشعارات أمام العيون واحتلالها الدور المؤجج لرعب التداعيات السلبية، ولكن السياسة النقدية أو المالية لا تدار بالشعارات التي تغفل التأني والحذر في التفسير الذي يتطلب التفكير العميق والنظر إليه من عدة نوافذ التي لا تطل على العواطف والانفعالات. كما أن ترديد مصطلح التضخم في كثير من الأحاديث قد يوجه الدفة إلى زوايا، يكثر حولها الجدل حتى بين أهل الاختصاص. وبصورة عامة، يستخدم تعبير التضخم في معنى «التوسع في عرض النقود» وما يتركه من أثر على الارتفاع في المستوى العام للأسعار، ولكن الصورة السيئة التي ترسخت في أذهان الناس عبر الزمن وخلال الأزمات الاقتصادية، قد أعطت انطباعاً غير مريح عند سماع هذا المصطلح. وقد يتوارد إلى ذهن الفرد مباشرة عند مصادفته «مصطلح التضخم» لدى الأغلبية العظمى من الناس، الارتفاع المفرط في الأسعار وآثاره المدمرة على مستوى المعيشة؛ ولكن هذا المصطلح يخفي تعدد تعريفه ويستر هامش الارتفاع والتذبذبات لمتوسط أسعار مجموعة كبيرة من السلع المختارة وليس لسعر سلعة واحدة ويكتم صعوبة في المعدل المستخدم لقياسه، كما أن ولادته لا تأتي من عامل أو متغير واحد اقتصادي أو اجتماعي. فليس هناك اعتقاد بأن يؤدي رفع الدعم عن المحروقات أو لعدد محدود وصغير من السلع إلى دخول الاقتصاد البحريني في متاهة التضخم المفرط الذي يهدد النظام النقدي. وبصورة عامة لا يصبح الوضع حرجاً وجدياً إلا إذا تسارعت وتيرة التضخم وبات خارج نطاق السيطرة أو إذا ما عم التوقع بأن الحكومة لن تحرك ساكناً لإعادة الاستقرار. كما أنه ليس خافياً على الاقتصاديين، وجود إمكانية التعامل مع التضخم الذي ترتفع فيه الأسعار تدريجياً وبمعدلات منخفضة لصالح النمو الاقتصادي في حالات نقص الطلب على السلع والخدمات عن طريق دفع أو حث المستهلكين على زيادة إنفاقهم من خلال تجنيبهم حيازة النقود في أعقاب خروج النشاط الاقتصادي من مرحلة الكساد. ويمكن القول أيضاً، إن صياغة السياسة الاقتصادية «الموضوعية» تمثل في الحقيقة أسلوباً عقلياً وغير عاطفي من أجل تحقيق أهداف المجتمع عن طريق بعض الوسائل، وهذا الأسلوب يستلزم صفتين؛ حيث تتطلب الصفة الأولى إدخال مفهومي الكفاءة والندرة في عمليات توزيع الموارد بين الرغبات المتنافسة ومحدودية الموارد، وتفترض الصفة الثانية استحالة اعتبار الأحكام والآراء التي تعكس المواقف الأخلاقية بمثابة حمولة يمكن لمحترفي مهنة الاقتصاد تفريغها في أول مرفأ، أي استحالة التجرد منها بصورة كاملة حيث أن السياسة الاقتصادية تحاول التمييز بين «ما يجب عمله أو ما لا يجب عمله» أي تمثل اختياراً إنسانياً ومجتمعياً يحمل التاريخ في جوفه. هذا التميز الذي يتطلب حكمة ووعياً مجتمعياً في إيجاد صورة من التوازن تأخذ بعين الاعتبار الصفتين السابقتين وبكلمات أخرى تصبح محاولة فصل الاقتصاد عن السياسة والدوافع السياسية عقيمة وغير قادرة على إخفاء واقع القوة الاقتصادية ودوافعها التي تعبر عن مواقف وآراء وأحكام تحمل قيماً ذاتية في النهاية، وهي التي تصنع نبض الإنسان وتفاعله في فضاء المصلحة المجتمعية التي لا تلغي المصلحة الفردية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها