النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

ما هو حرام اليوم يصبح مندوباً غداً

رابط مختصر
العدد 7897 الثلاثاء 23 نوفمبر 2010 الموافق 17 ذو الحجة 1431هـ

أتذكرون شكل العباءة البحرينية قبل سنوات معدودات؟ لقد كانت سوداء بلا ألوان ولا تطريز ولم يكن أحد يستطيع التفريق بين العباءة والأخرى سوى بالطول أو الاتساع. لقد تغيّر شكل أغلب العبايات البحرينية اليوم، فقد داخلتها الألوان والفصوص وأصبحت لها موديلاتها الخاصة، وبينما كانت في السابق وسيلة لتغطية لباس المرأة أصبحت اليوم هي الملبس، وصارت غاية من الغايات يتمّ صرف عشرات الدنانير واختيار الموديلات من مختلف مواقع الإنترنت ومجلات الموضة من أجل تجهيزها. والملفت للانتباه أنّ كثيراً من الذين استنكروا في السابق تزيين العباءة سواءً من نساء الجماعات الإسلامية أو نساء القرى والعوائل المتحفّظة أصبحن اليوم يلبسن العباءات الملونة والمطرّزة بموديلاتها المختلفة. فهل يمكن أن نعتبر ذلك تراجعاً من هؤلاء النساء عن قناعاتهنّ أم نعتبر هذا التحوّل نزوعاً طبيعياً من المرأة نحو فطرتها الطبيعية المجبولة على حبّ الزينة والاهتمام بمظهرها؟ مثل هذا الأمر تقريباً ينطبق على لبس النساء لبنطلون «الجينز»، فلم يمكن مسموحاً للمرأة في الجماعات الإسلامية أو المجتمعات القروية أو العوائل المتحفظة أن تلبس الجينز تحت العباءة، وكانوا يعتبرون المرأة التي ترتكب مثل هذا السلوك غير كاملة الاحتشام. أما اليوم فإننا نجد كثيراً من العاملات في مجال الدعوة الإسلامية وكثيراً من نساء القرية يلبسن الجينز دون غضاضة. فهل يمكن أن نعتبر هذا التحوّل تساهلاً تجاه القناعات التي تربت عليها هؤلاء النساء أم نعتبر ذلك انقياداً طبيعياً من المرأة نحو التأنّق والتجمّل؟ وما دمنا نتكلم عن النساء فلا يمكننا أن ننسى أنّ المرأة في الجماعات الإسلامية وفي القرى وفي العوائل المتحفّظة كان هناك تحفّظ على عملها في الأماكن المختلطة، وكان هناك اتجاه عام لدى هذه المجتمعات نحو حثّ المرأة على العمل في مجالي التدريس والطبّ لأنهما المجالان الوحيدان اللذان يمكّنان المرأة من العمل في جوّ بعيد عن الاختلاط. أما اليوم فإننا نرى حتى أكثر الجماعات الإسلامية تشدّداً وأكثر المجتمعات القروية تعصباً لا تجد بأساً في عمل المرأة مع الرجل في مكتب واحد. فهل يمكن أن نعتبر ذلك تراجعاً عن الحقّ أم نعتبر ذلك انسياقاً طبيعياً نحو الشكل الطبيعي لعلاقة الرجل مع المرأة؟ والذي يحضر حفلات طيور الجنّة ويجد التهاتف الكبير على شراء التذاكر من قبل عوائل الجماعات الإسلامية ويرى أبناءهم في الحفلات وهم يتغنّون بأغانيهم المصحوبة بالموسيقى الكاملة، ربّما ينسى أنّ هذه العوائل كان لديها موقف ديني من الأناشيد المصحوبة بالدفوف، وكانوا يعتبرون الاستماع إلى مثل هذه الأناشيد تساهلاً في الدين. ولا أظنّ أنّ هذا التحوّل يعدّ تراجعاً في الالتزام وإنما هو جنوح إلى الفطرة. حيث أنّ أكبر المعارضين للموسيقى في هذه الجماعات يسعده اليوم رؤية المغني سامي يوسف وهو يعزف على أنغام البيانو أغنية «الأم»، ويفرح كثيراً لرؤية فيديو كليب المنشد موسى مصطفى وهو يغنّي «أصلّي لربّي» مصحوباً بسبع آلات موسيقية. ومهما كانت التأويلات التي تسوقها الجماعات الإسلامية لتبرير هذا التحوّل ولكنها في النهاية تصل إلى مؤدّى واحد وهو أنّ هذه الأغاني أصبحت متقبّلة في أوساط الجماعات الإسلامية بعد أن كانت في عداد الممنوعات. ولعلّ الانتخابات التي جرت خلال السنوات الثماني الماضية خير دليل على مقدار التحوّل في النظر إلى الديمقراطية باعتبارها «حكماً بغير ما أنزل الله» وفقاً لبعض الجماعات الإسلامية وباعتبارها «اتباعاً لسنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع» عند جماعات إسلامية أخرى. فالمشاركة الواسعة لهذه الجماعات في الانتخابات وتقافزها فرحاً بانتصار مرشّحيها ليس نكوصاً عن القناعات السابقة بقدر ما هو تحوّل طبيعي نحو النموذج السياسي الأصلح والأكمل والأمثل. إنّ حركة التحوّل في أوساط الجماعات الإسلامية أو المجتمعات المتحفّظة وإن كانت بطيئة ولكنها إيجابية، وهي مؤشّر على أنّ هذه المجتمعات آخذة بالتحرّك وفقاً لحركة التاريخ، وأنّ أولئك الذين يريدون جرّ المجتمع إلى الوراء سوف يخيب مسعاهم إن عاجلاً أم آجلاً لأنّ الحركة الطبيعية للمجتمعات تفترض أن تسير إلى الأمام لا أن تنكص على عقبيها. هذه الحركة الطبيعية للمجتمعات تفطّن لها الصحابة رضوان الله عليهم، فهاهو أنس بن مالك رضي الله عنه يقول للصحابة: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعْرِ، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». ولم يكن هذا التحوّل تهاوناً من الصحابة في السير على نهج الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه استجابة طبيعية لحركة التاريخ واختلاف المواقف وتبدّل الأحـوال وتغـيّر الزمـان والمكان وتحوّل الظروف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها