النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

في الاحتفال بمرور 150 عامًا على ميلاد طاغور

رابط مختصر
العدد 7895 الاحد 21 نوفمبر 2010 الموافق 15 ذو الحجة 1431هـ

يتأهب العالم قريبا للاحتفال بمرور مائة وخمسين عاما على ميلاد عميد الأدب الهندي، والأديب الآسيوي الوحيد الفائز حتى الآن بجائزة نوبل للأدب (1913) «رابندراناث طاغور». ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أن الرجل لم يكن فقط فيلسوفًا وشاعرًا وأديبًا، وإنما كان أيضا شخصية متعددة المواهب والمهارات في عدد من حقول الإبداع، مثل الفلسفة والرسم والمسرح والموسيقى والتأليف الغنائي والتعليم والإصلاح الاجتماعي، والترحال. وهو لئن لم يلج إلى عالم الرسم إلا في مرحلة متأخرة نسبيا من حياته، من خلال كتاب شعري صدر له في عام 1924 واحتوى على رسومات بريشته مما عـُدّ دليلا على قدرته على التعبير من خلال الصور، فإنه ولج عالمي الموسيقى والتأليف الغنائي في مرحلة مبكرة، إيمانا منه بأن الإيقاع أو ما سماه «الحركة الصادرة من الضبط المتناغم» هو القوة الخلاقة التي تعطي المرء إحساسا دائما بالحقيقة. والواقع أن مؤلفات طاغور الموسيقية، التي تجاوزت 300 أغنية، مرت بثلاث مراحل: ألف في الأولى أغانيه متأثرا بالموسيقى الكلاسيكية الهندية وبعض الموسيقى الإقليمية والغربية، وإلتزم في الثانية بالبناء الكلاسيكي مع إضافة بعض لمساته الخاصة النابعة من خبرته، ووضع في الثالثة ألحانا بأسلوبه الخاص المتميز الذي عـُرف بإسم «رابندرا سانجيت». أما اهتمامه بالتأليف الغنائي (كتب ألفي أغنية) فنابع من إيمانه بأن «الأغنية المثالية عبارة عن زواج ناجح ما بين الكلمات والألحان، وسيرهما جنبا إلى جنب» على نحو ما ورد على لسانه. وفي هذا المقام يكفي طاغور فخرا أنه الشاعر الوحيد الذي قام بتأليف النشيد الوطني لدولتين، وهما «أمار شونار» لبنغلاديش، و«جاناجانا مانا» للهند. وبالنسبة لدوره في التعليم والإصلاح الاجتماعي، فتكفي الإشارة هنا إلى قيامه، هو المتسرب من المدرسة» بإنشاء مدرسة متميزة في «سانتينيكيتان» بدأها بخمسة تلاميذ في عام 1901. تلك المدرسة التي أرادها أن تكون على غرار الصومعة التي وجدت في الهند القديمة, وفي هذا السياق يقول « أودايا نارينانا سينغ» ان أحدا لم يكن يفكر في الهند في بداية القرن العشرين، عندما بدأ النموذج الغربي للتعليم بدخول البلاد، بالتعليم المتكامل، أي ذلك الذي يمكن أن يمنح المتلقي فرصة التعليم من خلال الإتحاد بين الإنسان والطبيعة، وبين المعلم والتلميذ، وبين الفنون الحرة والفنون التشكيلية. ويمكننا هنا أن نضيف أن الرجل لم يكن ضد الحداثة والمتغيرات العصرية، وإنما كان يريد من فكرة «الصومعة» أن يقترب من الطبيعة ويبتعد عن صخب حياة المدينة، وأن يؤسس لعلاقة وثيقة ما بين المعلم وتلميذه شبيهة بعلاقة التلميذ بأسرته، وأن يشجع التلاميذ على التفكير المستقل وصولا إلى معرفة الحقيقة العليا. إضافة إلى ترسيخ مفهوم أن التعليم ليس مجرد أداء للحصول على عمل أو دخل، وإنما وسيلة لتفجير طاقات المرء وفتح ملكاته الفكرية والعاطفية والنفسية والبدنية. ومما لا شك فيه أن الرحلات الطويلة التي قام بها طاغور إلى الخارج، والتي بدأها في عام 1878 بالسفر إلى لندن - عبر الإسكندرية وباريس - لدراسة القانون، وأتبعها بالتجول في بريطانيا وفرنسا والنمسا وتشيكوسلفاكيا وهولندا وبلجيكا وألمانيا والدنمارك والسويد، قبل أن يحل في الولايات المتحدة ويزور شيكاغو وبوسطون ونيويورك وسياتل وفيلاديلفيا في عامي 1913 و1916، وقبل أن يزور بورما واليابان في 1916، والصين في 1924، وإيطاليا والارجنتين في 1926، ودول جنوب شرق آسيا في 1927، وروسيا في 1932، وإيران في 1932، كان لها أكبر الأثر في إتساع أفقه، وتحرره، وانشغاله بجملة من القضايا المعاصرة مثل: الحرب والسلام، وتحرير المرأة، وتطوير الريف، ومكافحة النزعات القومية والعنصرية، خصوصا وأنه التقى في كل تلك الدول بخيرة مبدعيها وفنانيها وأكاديمييها، إضافة إلى قادتها وساستها، وتناقش معهم، مستلهما منهم تجاربهم الثرية وفلسفاتهم الخاصة. ولئن كان قد عـُرف عن عائلة «طاغور» أنها لعبت دورا أساسيا في معظم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها البنغال خلال القرن 19، وعلى رأسه قضية تحرير المرأة البنغالية من أغلالها الاجتماعية مثل السماح لها بالتعليم والعمل والسفر بمفردها، وارتدائها لملابس أكثر ملاءمة للخروج والقيام بأعباء العمل فإن «رابندراناث طاغور» عزز من هذه الإصلاحات بمجرد عودته من رحلته الأولى إلى أوروبا، وذلك من خلال سلسلة من الخطب والمقالات التي قارن فيها بين الإختلاط الحر ما بين الجنسين في إنجلترا، وعزلة البنغاليات اللواتي كن وقتذاك حبيسات البرقع ومعزولات عن العالم. وقد تعزز هذا المنحى لدى الرجل أكثر حينما أرسلته عائلته إلى الأرياف لإدارة ممتلكاتها. إذ تعرف هناك بشكل مباشر على معاناة نساء الأرياف وما يتعرضن له من ظلم وقسوة، فألف سلسلة من القصص القصيرة حول نظام المهور الظالم، ومشكلة زواج القاصرات، ومآسي الأيتام واللقطاء، وحظر العائلات لإشتغال بناتها في الفنون المسرحية، وغيرها من القضايا التي شجعت نساء البنغال على رفع أصواتهن والمطالبة بحقوقهن، كتابة وتظاهرا وتمردا. وفي هذا السياق يقول طاغور: «إن الإبقاء على المرأة خلف البرقع ليس نتيجة لأنانية الرجل، ولكنه نتيجة طبيعية للمتطلبات التي تفرضها الواجبات المنزلية. وهذا عذر قديم جدا يقدمه هؤلاء الذين يقاومون تحرير المرأة. إني أعتقد أن النظر إلى إحتجاب المرأة والإبقاء عليها أسيرة الجدران مدى الحياة هو أمر شاذ في حد ذاته». وأثناء عمله في الأرياف اكتشف طاغورا مدى معاناة تلك المناطق من الفقر وشح الخدمات، ومدى انقسام طبقة الصفوة على نفسها لتضارب مصالح أفرادها، فقرر أن يعمل بصورة شخصية على إيجاد بعض الحلول، معتمدا في ذلك على مجموعة من الشباب المتطوعين المستعدين للتضحية بجهودهم وأوقاتهم من أجل الصالح العام. وقد نجح هؤلاء، الذين كان من ضمنهم ابنه وزوج ابنته، في إنشاء الطرق والمدارس وخزانات المياه ومحطات الصرف الصحي وتحسين الإنتاج الزراعي، فضلا عن إشاعتهم للموسيقى الشعبية وسط الناس، الأمر الذي أعاد إلى القرية البنغالية حياتها وحركتها ورونقها. ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أنه على الرغم من ارتباط اسم طاغور باسم المهاتما غاندي كرمزين كبيرين في تاريخ الهند الحديث، فإن الرجلين كانا يمتلكان رؤى متباينة حول العديد من القضايا. فمثلا اختلفا حول النزعة القومية التي كان طاغور يحاربها، فيما كان غاندى يدافع عنها، إيمانا من الأخير بأن المرء يجب ان يمر بمرحلة المغالاة في النزعة القومية حتى يصل إلى الايمان بالمبادئ العالمية. وربما بسبب اختلاف رؤى الرجلين، وخوفا من تصادهما في حقبة ما بعد الاستقلال، كتب الزعيم الهندي الكبير «جواهر لال نهرو»، الذي كان صديقا للرجلين، في مذكراته: «من الأفضل لطاغور أنه مات قبل أن تستقل الهند، ويرى مشكلاتها الكثيرة من جوع وفقر، وقد زاد عليها التحريض والعنف الطائفيين والتقسيم».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها