النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

مطاعم «ما قلّ طبخه وغلا ثمنه»

رابط مختصر
العدد 7890 الثلاثاء 16 نوفمبر 2010 الموافق 10 ذو الحجة 1431هـ

ما دخلت مطعماً من مطاعم «الخمس نجوم» وإلا وأحسست بأنني غريب فيه أو متطفّل عليه. والعيب طبعاً ليس في هذه المطاعم المتخصصة في بيع «ما قلّ طبخه وغلا ثمنه»، ولكن العيب فيّ أنا. أنا الذي تعوّدت أن أجلس «متربّعاً» في مطاعم التكّة والكباب، كيف لي أن أنسجم مع المطاعم التي تضع لكلّ طبق «كاتلوجاً» لكيفية تقطيعه وخلطه ومضغه. ينتابني هذا الشعور منذ أن تطأ قدماي المطعم وأبصر النور الخافت الذي يشبه أنوار بيت جارنا «بوناصر» الذي يخشى من فاتورة الكهرباء مثل خشيته من العفاريت أو أشدّ خشية، وأسمع الموسيقى الهادئة التي تشبه موسيقى الجنائز. ويزداد هذا الشعور ازدياداً حينما تقوم الجرسونة بسحب الكرسي لأجلس، وتضع في حضني «رداء ليلى والذئب» بحركة تشبه حركة الساحر الذي يستخرج الأرانب من القبعة. ولا أتذكّر أنني خرجت يوماً من هذه المطاعم شبعان بسبب حالة التوتّر التي تنتابني وبسبب خشيتي من أن أجرح شعور الحسناوات الجالسات في الطاولات المجاورة بصحبة أزواجهنّ المهمّين وحقائبهنّ الأهمّ، إذا ما رغبت في شرب العصير من الكأس مباشرة دون استخدام العود، أو إذا ما رغبت في هتك حرمة الدجاجة بيدي دون استخدام الشوكة والسكين. ذات دورة قالت لنا منى الزايد مدرّبة الإتيكيت والبروتوكول والمراسم والمراسلات الإدارية إنّ الإتيكيت فنّ اخترعه العرب. وإذا ما صحّ هذا التوقّع الذي يشبه توقّع فوز العرب بكأس العالم فإنّ من المؤكّد أنني لا أمت للعرب بصلة سوى بالطول الفارع والرجل «المفلطحة»، لأنني أمقت الإتيكيت مثلما يمقت الطلبة يوم الدوام الواقع بين إجازتين. فما معنى أن آكل «السمبوسة» بالشوكة والسكين؟ وما الداعي إلى أن ألتزم بوضع ساعدي في مستوى حدّ الطاولة أثناء الأكل وكأنني في حصّة حاسوب؟ ولماذا أضطرّ لوضع «الفوطة» على حجري وأمنع تدحرج حبّة «النخي» على ثوبي مثلما يحدث ذلك في محلات الناشف؟ وما هي المتعة في نظرات الجرسونات التي تراقبني في كلّ لقمة آكلها أو كلّ ملعقة أسقطها؟ أقول لأصحابي الذين أصبحوا فجأة من الطبقة المخملية بعد أن قضوا شطراً من حياتهم معي في كفاحي المسلّح مع التسمّم في محلات «الجبود والقيمة»: إننا نلتقي في عطلة نهاية الأسبوع على العشاء من أجل أن نجد الراحة من عناء أيام العمل، فهل تعتقدون بأننا نجد الراحة في هذه المطاعم التي لا تقدّم لنا سوى وجبات من التوتّر منذ أن يفتح لنا الجرسون الباب بابتساماته الصفراء إلى أن يحدث التوتّر الأكبر بتسلّمنا للفاتورة التي يتمّ فيها محاسبتنا حتى على الشرشف الموضوع على الطاولات؟ لأجل ذلك، قمت بتدشين حملة على الفيس بوك للرجوع إلى الفطرة السويّة وتناول العشاء في مطاعم «ما زاد دهنه وقلّ ثمنه». هذه المطاعم التي تطبّق الواقعية على أعلى مستوى ولا تستهدف سوى ملء بطنك، سواءً أكلت وجبتك بالملعقة أم بيدك، وسواءً كنت جالساً جلسة الأمراء أم كنت مستلقياً على قفاك، وسواءً وضعت يدك على الطاولة أم كنت منسدحاً فوقها. فالأمر بالنسبة لهم سيّان. ولقد وجدت تجاوباً كبيراً مع هذه الحملة حتى من الأشخاص الذين كنت أتوهّم أنهم غادروا «نخّي بشير» إلى غير رجعة. ولقد لمست ذلك بشكل جليّ من خلال تعليقات الأصدقاء على الصور التي أعرضها بين الحين والآخر في الفيس بوك للأطباق الشهية التي تقدّمها مطاعم «اللو ويست» في صحون مثلومة أو بأواني قد تغيّر لونها بفعل الصابون «الشعبي» الذي تستخدمه. قبل شهر زارني صديق عزيز من الرياض، ولقد فكّرت أن أدعوه على عشاء فاخر في أحد مطاعم «الخمس نجوم». ولكن الله هداني في آخر لحظة إلى جادّة الصواب وأخذته إلى مطعم لا تعرفه خرائط «الجي بي إس»، وأجلسته على طاولة أكلت منها الرطوبة ما أكلته، وعلى كرسي بثلاثة أرجل سليمة ورابعة أقصر، وطلبت له وجبات «واقعية» من الكباب المشوي والبصل والطماطم، وأخذنا نأكل ونطلب المزيد، ولم نشعر حينها بالوقت إلا حينما أُطفئت أنوار المطعم. وقبل أيام اتصل بي ليخبرني بقدومه هو وصديقه ورجاني أن آخذهما إلى نفس المطعم. ومنذ تلك الساعة أعلنت انتصار دعوتي للرجوع إلى الفطرة ولترك «رداء ليلى والذئب» إلى غير رجعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها