النسخة الورقية
العدد 11150 السبت 19 أكتوبر 2019 الموافق 19 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

عندما يفلس المسلسلاتي !

رابط مختصر
العدد 7886 الجمعة 12 نوفمبر 2010 الموافق 6 ذو الحجة 1431هـ

الظاهر ‏ـ‏ والله أعلم ـ أن بعض أسيادنا الذين في التسلسل‏ التليفزيوني قد أصيبوا بحالة من التصحر‏ الدرامي، جفت معها قريحتهم، وفشلوا‏ في العثور على أفكار درامية يسلسلون بها المشاهد أمام التليفزيون في شهر رمضان المقبل، مما دفعهم‏ للتفكير‏ بمنطق‏ المثل الشعبي الذي يقول: التاجر لما يفلس.. ‏يدور في دفاتره القديمة بعد إعادة صياغته إلى المسلسلاتي لما يفلس.. يدور‏في‏دفاتره ـ ودفاتر غيره ـ القديمة، وقادهم البحث في هذه الدفاتر، إلى كنز أكبر من الكنز الذي عثر عليه علي بابا في المغارة، ينقذهم من التصحر‏ ويعالجهم من جفاف القريحة، ويملأ جيوبهم بالذهب والألماس‏ والياقوت، كما حدث لـ علي بابا حين صاح افتح يا سمسم تتمثل في‏ تحويل عدد من الأفلام المصرية القديمة التي حققت نجاحا تجاريا‏ كبيرا في‏النصف الثاني من القرن الماضي، إلى مسلسلات‏ تليفزيونية، فتواترت الأنباء التي‏تقول إن عددا من شركات‏ التسلسل‏ التليفزيوني قد تعاقدت بالفعل مع عدد من‏ المسلسلاتية، ‏لتحويل‏ ستة من هذه‏الأفلام، إلى مسلسلات تليفزيونية تعرض في رمضان‏ المقبل، هي سمارة «1956» والزوجة الثانية «1967» وإمبراطورية ميم «1972» والإخوة الأعداء «1974» والكيف «1985» ورمضان‏ مبروك أبوالعلمين «2008».‏ وفضلا عن‏ التصحر الدرامي وجفاف القريحة وأهمية الاستعداد‏ بسرعة وبأي نص، لدخول الاستديو ضمانا للحصول على نصيب من‏ كعكة رمضان المقبل‏ التليفزيونية، فقد تولد ظن خاطئ‏لدى بعض‏ شركات التسلسل أن التجارب السابقة في تحويل الأفلام السينمائية‏ القديمة إلى مسلسلات تليفزيونية، ‏قد أثبت‏نجاح مسلسلات مثل رد‏ قلبي وبين‏القصرين والباطنية والعار وهي كلها مأخوذة عن أفلام‏ سينمائية قديمة، وهو استنتاج خاطئ، ‏إذ لم تحقق أي من هذه‏ المسلسلات نجاحا استثنائيا أو لافتا للنظر سواء بالمقياس الفني أم‏ التجاري أم الإعلاني، ‏وكان النجاح الوحيد الذي حققته‏هو أنها‏ بيعت وعرضت، وهو‏ مستوى من النجاح تحققه كل المسلسلات، ‏مهما كان‏ مستواها الفني ضعيفا ومهما كانت نسبة مشاهدتها متدنية، بعد‏أن‏ تعددت القنوات التليفزيونية، وارتفع عدد القنوات المتخصص منها‏ في عرض المسلسلات، وحاجة الاثنين إلى مسلسلات لملء ساعات‏ العرض، بأي مسلسل والسلام، حتى أصبح معروفا أنه لا يوجد‏ مسلسل ينتج إلا ويباع، ويحقق‏ـ‏علي المدى المتوسط ـ‏ربحا‏ لمنتجه،‏بسبب زيادة الطلب، وقلة العرض مع ملاحظة أن هذه‏ الزيادة في الطلب، لا علاقة لها بإعجاب المتفرج بالمسلسل، أو‏ بإقباله‏ حتي علي‏مشاهدته، إذ هي زيادة في عدد القنوات التي تطلب لا تعني ـ بالضرورة ‏ـ‏ أن ‏المتفرج هو الذي يطلب.‏ ومن بين الدوافع الأخرى، ‏التي قادت بعض شركات التسلسل التليفزيوني ‏إلى الدخول إلى مغارة الأفلام القديمة، توهم هذه‏ الشركات، بأن الأسماء الشائعة لهذه الأفلام، ‏تشكل إغراء ‏يدفع‏ المشاهد للإقبال عليه، وبالتالي تغري نجوم شباك الإعلانات في‏ التليفزيون، بقبول القيام ببطولته، مما ييسر بيعه، ويجلب له ‏ـ عند‏ العرض كمية من الإعلانات ـ‏ تكفل ربحا لمنتجه وللقناة التي‏ تعرضه، ‏وهو نوع من التمني، يواجه تحديات عديدة، ‏من بينها أن‏ الأفلام القديمة عموما، وعلى رأسها الأفلام الستة التي بدأ تحويلها‏ بالفعل إلي مسلسلات، لاتزال تعرض وبتكرار شديد على قنوات الأفلام التليفزيونية‏، ‏حتى أصبح المشاهدون يحفظون أحداثها وحواراتها وتتالى مشاهدها‏، ‏والأهم من ذلك تكونت لديهم صورة ذهنية راسخة لشخصياتها‏، ‏ترتبط بالممثلين الذين تقمصوا هذه الشخصيات في الفيلم القديم.‏ تلك كلها أسباب تفقد اسم الفيلم أي إغراء يجذب المشاهد لمتابعة أي مسلسل يعيد سرد مشاهده التي يحفظها عن ظهر قلب‏، ‏ويفتقد لأي تشويق في حوادثه، ‏ويقوم ببطولته ممثلون يشوشون على الصورة المستقرة في ذهنه لأبطاله‏، ‏بل إن هذه الصورة تدفع كثيرين من الممثلين لرفض القيام بأدوار سبق أن قام بها نجوم الأفلام القديمة‏، ‏خشية المقارنة بين القديم والجديد، ‏على خلفية صورة ثابتة للممثل الذي تقمص الدور لأول مرة، ‏سوف تنتهي بالقطع إلى صالح القديم.‏ وكانت تلك هي النتيجة التي انتهي إليها المشاهدون الذين قارنوا بين أداء مريم فخر‏الدين في فيلم رد قلبي، ‏بأداء الممثلة التي أدت الدور في المسلسل الذي أنتج عن القصة نفسها، ‏أو أداء يحيي شاهين لشخصية أحمد عبدالجواد بأداء محمود مرسي للشخصية نفسها بمسلسل بين القصرين على الرغم من أن محمود مرسي كان ممثلا عبقريا، ‏وهي النتيجة ذاتها التي يمكن أن تنتهي إليها المقارنة بين أداء أي ممثل وممثلة لشخصيات مسلسل الزوجة الثانية‏، ‏وبين أداء الثلاثي الذي قام ببطولة الفيلم القديم، ‏ومنهم سعاد حسني وصلاح منصور وسناء جميل.‏ السبب الفني الوحيد من بين زحام الأسباب التجارية التي تقف وراء هذا الاتجاه في السلسلة التليفزيونية لرمضان المقبل‏، ‏هو القول بأن هذه الأفلام تنطوي على شخصيات وأحداث ومحاور درامية اضطر صناعها لحذف بعضها وتركيز البعض الآخر، ‏لتتناسب مع مدة عرض الفيلم السينمائي التي تتجاوز ساعتين‏، ‏وأن تحويلها إلى مسلسل تليفزيوني تصل مدة عرضه إلى‏ 22.5 ‏ساعة، ‏يتيح الفرصة لإعادة ما حذفه الفيلم من أحداث وشخصيات والإسهاب فيما اختصره منها‏..‏ذلك سبب لا يمكن الاطمئنان إلي أن وراءه دوافع فنية‏، ‏لأن كل السوابق والشواهد، ‏تؤكد أن وراء ظاهرة الإطناب والإسهاب والتكرار الممل في شخصيات وأحداث المسلسلات التليفزيونية، ‏دوافع تجارية مبتذلة، ‏لا صلة لها بالفن، ‏بل بالقانون الاقتصادي لسوق المسلسلات، ‏التي تباع للقنوات الفضائية، ‏بسعر الساعة التليفزيونية، ‏تشمل حلقة من‏ 45 ‏دقيقة و‏ 15 ‏دقيقة للإعلانات، ‏على ألا يزيد عدد الحلقات على‏ 30 ‏حلقة‏، ‏وهي مهمة شاقة يقع العبء الرئيسي في القيام بتنفيذها على عاتق السيناريست الذي يتوجب عليه أن يملأ هذا الوقت الطويل، ‏الذي يوازي ما بين عشرة و‏ 15 ‏فيلما سينمائيا، ‏فتكون النتيجة هي الغثاء الدرامي الذي نشاهده عادة كل رمضان.‏ ونظرة عابرة إلى أسماء الأفلام القديمة الستة التي اختيرت لتحويلها إلى ‏مسلسلات تكشف عن أن من بينها فيلمين تجاريين يدوران حول تجارة المخدرات‏، ‏هما سمارة والكيف وبينها ثلاثة أفلام كتب لها القصة روائيون مصريون وعالميون، ‏هي إمبراطورية ميم ـ المأخوذ عن قصة لإحسان عبدالقدوس كتب لها المعالجة السينمائية نجيب محفوظ والزوجة الثانية ـ المأخوذة عن قصة لـ أحمد رشدي صالح ـ والإخوة الأعداء ـ المأخوذة عن رواية ديستوفسكي الشهيرة الإخوة كرامازوف، ‏وفيلم حديث لم يمض على عرضه سوى عامين، ‏هو رمضان أبوالعلمين في حين أن هناك عشرات الأفلام القديمة التي تصلح للسلسلة‏ منها الحرام ‏لـ يوسف إدريس ودعاء الكروان لـ طه حسين ولا تطفئ الشمس لإحسان عبدالقدوس، ‏فضلا عن عشرات الروايات القديمة والمعاصرة، ‏التي لم يفكر أحد في سلسلتها، ‏ولعل أصحابها سوف يبوسون أيديهم وجها وظهرا، ‏بعد عرض المسلسلات الثلاثة التي أخذت عن أفلام إحسان عبدالقدوس وأحمد رشدي صالح وديستوفسكي لأنهم نجوا من المذبحة التي سوف يتعرضون لها بمجرد أن حالة من التصحر الدرامي وجفاف القريحة قد أصابت أسيادنا الذين في التسلسل التليفزيوني‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها