النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مواجهة التراث الديني أم تجاهله؟

رابط مختصر
العدد 7883 الثلاثاء 9 نوفمبر 2010 الموافق 3 ذو الحجة 1431هـ

ذات مرّة قلت لصديق لي: «إنّ علينا أن نواجه تراثنا الديني وننقده ونعرّيه مما لحق به من الأباطيل والأوهام والخرافات حتى نتمكّن من خوض معركة التحديث والتطوّر والرقيّ»، فوجدت صديقي يهبّ مذعوراً من كلماتي، طالباً منّي التوقّف عن «التخريف» والرجوع إلى جادّة «الحقّ» الذي نشأت عليه منذ نعومة أظفاري وتلقّيته جاهزاً – كهدايا المواليد – من الجامع. لم أستغرب بالطبع ذعر صديقي مما ذكرت، فمازلنا – ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين – غير قادرين على التفريق بين الدين كرسالة سماوية منزلة من عند الله سبحانه وتعالى، وبين تراثنا الديني والذي هو عبارة عن اجتهادات الأوّلين في فهم الرسالة السماوية وترجمتها في هذه الدنيا إلى ممارسات وأفعال وتوجيهات. فالاجتهادات - مهما كان مقدار علم صاحبها ومنزلته الفقهية – قد تصيب وقد تخطئ، «فمن اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن أصاب فله أجران». إنّ هذا الخلط بين الدين كرسالة سماوية وبين التراث الديني الذي هو جملة من الاجتهادات الإنسانية القابلة للصواب والخطأ هو الذي يتمّ استثماره اليوم من قبل التنظيمات الإسلامية لتبرير اجتهاداتها السياسية ولإكسابها الصفة الشرعية، بحيث يظهر من يتصدّى لها بالرفض أو الانتقاد وكأنّه منسلخ عن الدين ورافض لتطبيق تعاليمه الربّانية. وليس بمستغرب والوضع هكذا أن يضطرّ أفراد المجتمع إلى الالتزام بما تفرضه التنظيمات الإسلامية وما تدعو إليه، حتى ولو كان مضادّاً لقناعاتهم وآرائهم الشخصية، معتقدين بأنّ هناك حكمة إلهية من وراء هذه الأوامر والتوجيهات، وأنّ مخالفتها تُغضب الله وتقودهم إلى التهلكة. وتكون النتيجة حينئذ أن يُصبح صوت الزعماء الدينيين فوق صوت السلطة السياسية وفوق صوت العلماء والمفكرين والمثقفين. وإذا كان نقد التراث الديني واجباً، فإنّ نقدنا له يغدو أكثر وجوباً في عصرنا هذا الذي صار فيه حوارنا الديني مع الآخر بالقنابل والمدافع، وصارت فيه التفجيرات تُجرى باسم الله الواحد الأحد، وصار نحر المسيحيين فيه يجري باسم الله الفرد الصمد، ومازلنا نُرجع السبب في انتهاجنا هذه الممارسات إلى المؤامرة الصهيونية الصليبية أو الأطماع الصفوية، وما من أحد يملك جرأة القول بأنّ تراثنا الديني هو المتسبّب الأول فيما يحدث. لقد عاش الأوروبيون قروناً طويلة تحت رحمة تراثهم الديني الذي استثمره زعماؤهم الديني لإشعال فتيل الحرب، فكانت الحروب الصليبية التي سيّروا لها الجيوش نحو الدولة الإسلامية وأشعلوا النيران في القرى الوادعة وارتكبوا أفظع المجازر وانتهكوا الحرمات باسم الله. وما كادت دروعهم تُنزع وسيوفهم تُغمد حتى أشعلوا نار الحرب مرّة أخرى بين أصحاب الدين المسيحي الواحد، وجرت المعارك الضارية بين الكاثوليك والبروتستانت وخلّفت ما يقارب المليون ونصف المليون قتيل، إلى أن وجد الفلاسفة والمفكرون الأوروبيون أنّه لا مناص من مواجهة التراث الديني ونقده وتصفيته مما لحق به من عبارات التحشيد ضدّ الآخرين وتخطئة المختلفين وتجريم المجتهدين وتحريم البحث عن الحقيقة، حقناً للدماء وصوناً للأرواح. لقد كان أمام الفلاسفة والمفكرين والمثقفين الأوروبيين طريقان: إما القفز على التراث الديني وتجاهله وحمل الناس على اتباع العقل وترك التراث الديني بما يحمله من إثارة للضغائن واستثارة للفتن، وإما مواجهة التراث الديني ونقده وتعريته مما لحق به من تصوّرات لشكل العلاقة مع الآخرين ومع العلوم ومحاولة التوفيق بين الدين العقل. ولقد كان الفلاسفة والمفكرون والمثقفون الأوروبيون موفّقين حينما اختاروا الطريق الثاني فنجحوا – بعد جهاد كبير وأذى شديد – من مواجهة التراث ونقده حتى جرت المصالحة بين العقل والدين واستطاعت أوروبا أن تحقق نهضتها الكبرى. أما نحن في الدول الإسلامية، فقد رأينا كيف أنّ كثيراً من المشاريع القومية واليسارية والليبرالية التي أراد الساسة تطبيقها في مجتمعاتنا قد فشلت فشلاً ذريعاً بسبب رغبتها في سلوك الطريق السهل وقفزها على التراث الديني. وفي الوقت الذي كانت تتوهّم فيه أنها حقّقت نجاحاً مرحلياً إذا بها تفاجأ بعودة التنظيمات الإسلامية مرّة أخرى إلى الواجهة وقيادتها للمجتمعات نحو التشرذم والتفرقة والتحارب والتراشق. إنّ ما جرى بعد هزيمة 1967م من عودة للتنظيمات الإسلامية إلى الواجهة السياسية مرّة أخرى وما صاحبها من ردّة ثقافية وفكرية وعلمية وأدبية يجعلنا نؤمن إيماناً تامّاً بأنّ المخرج من المأزق الذي نعيش فيه لا ينبغي أن يُستورد من الخارج بحذافيره، ولكنه ينبغي أن يُستلهم من التراث الديني بعد نقده ومواجهته وتعريته مما لحق به من أهواء وخرافات وأوهام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها