النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

عن انهيار عملاق الطيران الآسيوي

رابط مختصر
الأحد 23 صفر 1431هـ العدد 7608

حينما تذكر عبارة “عملاق الطيران الآسيوي”، فإن الإشارة هنا تخص الناقلة الجوية الوطنية لليابان المعروفة اختصاراً باسم “جال”، باعتبارها الأوسع انتشارا (220 محطة في 35 بلدا) والأكثر امتلاكا للطائرات (279 طائرة من مختلف الأحجام والأشكال)، والأحدث أسطولا (يضم إسطولها طائرات بوينغ 777 – 300 وبوينغ 777-200 الأحدث في العالم والتي اشتركت “جال” في تصميمها من ضمن 7 شركات طيران أخرى)، والأضخم من حيث عدد المسافرين على متنها (53 مليون راكب) وكمية المنقول من البضائع بواسطتها (1.2 مليون طن من البضائع وخلافها). وعلى الرغم من ظهور شركات طيران عملاقة أخرى في آسيا خلال العقود التالية لتأسيس “جال”، فإن الأخيرة بقيت دوما متميزة من حيث الأداء والكفاءة والخدمات ودقة المواعيد وغير ذلك من الأمور التي توليها الثقافة اليابانية اهتماما خاصا، بل بقي اسمها وشعارها القديم المكون من طائر الكركي ضمن إطار دائري أحمر، والذي جعلنا نسميها في سنوات طفولتنا باسم “طائرة الوزة” محفورين في الذاكرة. أتذكر أني فوجئت في رحلتي الأولى على متنها، بمضيفة أنيقة تقترب مني وتطالبني بأدب أن أخلع ملابسي وحذائي وأرتدي بدلا منها هدية مقدمة من الشركة (بيجامة نوم و«روب دي شامبر” و خفا من الصوف)، استعدادا للنوم في مقعدي الذي تحول بنقرة زر إلى سرير مريح. كان ذلك في حينه شيئا غريبا، لكنه لم يكن بمستغرب على اليابانيين الذين برعوا في ابتكار كل ما هو مثير وجديد. ويتذكر صديق لي كان يعمل في طهران كيف أن “جال” وحدها وفرت له فرصة الانتقال مباشرة من العاصمة الإيرانية إلى القاهرة للمشاركة في جنازة الرئيس عبدالناصر، حيث كانت الخلافات السياسية قد قطعت وقتذاك كافة الروابط ما بين العاصمتين، وكانت “جال” وحدها هي همزة الوصل، لأنها كانت تطير من طوكيو وتهبط في طهران ثم تواصل سيرها نحو العاصمة المصرية مرتين في الأسبوع. هكذا كان العملاق الجوي الآسيوي يربط ما بين أقاصي العالم وتنتشر شبكاته وخطوطه في كل الاتجاهات. لهذا كله، استغرب الكثيرون أن يعلن إفلاس هذا الصرح العملاق تحت وطأة ديون بلغت أكثر من 25 مليار دولار، على الرغم من أن انهيار وإفلاس شركات الطيران الكبرى ليس أمرا جديدا، بل دائم التكرار على نحو ما حدث سابقا لخطوط دلتا الجوية الأمريكية ولخطوط أليتاليا الإيطالية، و«بان أمريكان” الأمريكية! صحيح أن إشهار الإفلاس لا يعني خروج “جال” نهائيا من عالم الطيران، أو تجميد رحلاتها، أو تسريح كافة منسوبيها، وصحيح أن إعلان الإفلاس خطوة إجرائية تستهدف في المقام الأول إعادة الهيكلة بغية تصحيح الأوضاع التي أدت إلى الإفلاس. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف وقع عملاق الطيران الآسيوي في هذا المأزق الخطير؟ وكيف لم يستطع مديروه من تكييف أوضاعه مع المتغيرات داخل منظومة الإقتصاد العالمي؟ وهل هذه هي بداية سقوط الكيانات اليابانية الكبرى التي ظلت طويلا محمية خوفا من اختراق الأجانب لها؟ للإجابة على هذه الأسئلة، لابد من الوقوف على تاريخ “جال” وما مرت به من تطورات منذ تأسيسها في أغسطس 1951 كشركة خاصة برأسمال قدره 100 مليون ين، وذلك بهدف إخراج البلاد من عزلتها في أعقاب انتهاء الحرب الكونية الثانية. كانت الرحلة الافتتاحية للشركة بواسطة طائرة من نوع “دي سي 3” مستأجرة من الخطوط الجوية الفلبينية لتتلوها في أكتوبر 1951 أول رحلة تجارية داخلية بواسطة طائرة من نوع “مارتن تو زيرو تو” وطاقم ضيافة معار من خطوط “نورث ويست” الأمريكية. حدث هذا قبل أن يمرر البرلمان الياباني في أغسطس 1953 تشريعا بإنشاء شركة طيران يابانية مملوكة للدولة تحت اسم “شركة الخطوط الجوية العالمية اليابانية (نيهون كوكو كابوشيكي غيشا هو)، على أن تستحوذ الأخيرة على كافة أصول وحقوق وامتيازات الشركة القديمة. في فبراير 1954 قامت الشركة الجديدة بتسيير أول رحلة دولية لها من طوكيو إلى سان فرانسيسكو، مستخدمة طائرة من نوع “دي سي 6 بي” لم يكن على متنها سوى 18 راكبا. بعد ذلك توسعت شبكة الشركة بامتلاكها في الخمسينات اسطولا متنوعا من طائرات مكدونالد دوغلاس. غير أن النقلة الكبرى بها حدثت في الستينات حينما اعتمدت حصريا في خدماتها الجوية على الطائرات النفاثة الضخمة من نوع “بوينغ”، وقامت بتسيير رحلات مباشرة إلى هاواي وهونغ كونغ ومدن أوروبية وأمريكية رئيسية، حيث قيل وقتذاك إن نصف أرباح الشركة الصافية تأتي من رحلاتها عبر المحيط الأطلسي انطلاقا من سواحل الولايات المتحدة الشرقية. أما في الثمانينات والتسعينات فقد شهدت الشركة توسعا أكبر في شبكتها الجوية بتسيير رحلات منتظمة ما بين طوكيو وساوباولو وفانكوفر ومكسيكو سيتي عبر نيويورك. غير أن تلك الفترة شهدت أيضا صدور قانون في 1985 لخصخصة الشركة وبالتالي إبطال مفعول القوانين السابقة التي اسبغت عليها صفة الناقلة الوطنية الحصرية داخليا وخارجيا. وهكذا لم يحل العام 1987 إلا والشركة قد تمت خصخصتها بالكامل لتنافس من غير دعم حكومي شركات طيران يابانية اخرى مثل “أول نيبون إيرويز” و “جابان إير سيستم”. غير أن “جال” تمكنت في هذه الفترة الحرجة من الصمود، أولا بفضل ما جنته من أرباح خدمات الرحلات المستأجرة أثناء حرب تحرير الكويت، وثانيا بفضل اتفاقيتها مع مؤسسة “ديزني” الأمريكية لتكون الناقلة الرسمية لمدينة “ديزني لاند” للالعاب بطوكيو. كان ما سبق مجرد إنذار مبكر لما سوف تواجههه الشركة مستقبلا! ففي سنوات التسعينات ووجهت “جال” بمصاعب وخسائر مالية من جراء الكساد في أمريكا وأوروبا واليابان، والذي أثر كثيرا على حركة السفر إلى الخارج للسياحة. وهي لئن تمكنت مرة أخرى من الصمود بفضل تقليص النفقات وتقديم عروض مغرية للسفر على رحلاتها، فإنها عادت لتواجه مشاكل إدارية وتخبطات مالية مع بداية الألفية الجديدة كنتيجة لاندماجها مع “جابان إير سيستم” وتكوينهما شركة قابضة جديدة تحت اسم “جابان إيرلاينز سيستم”. ومما زاد الأمور تعقيدا وقتذاك قرار “جال” في عام 2008 بضم أحد أهم شركاتها الرديفة (جابان إيشيا إيرويز) إلى “جابان إير سيستم”. وكانت “جابان إيشيا إير” قد أسست في 1975 لتستخدم في نقل الركاب ما بين اليابان وتايوان، بعد رفض حكومة بكين السماح لجال بالهبوط في مطاراتها قبل أن تقطع كافة روابطها مع التايوانيين. فكانت تلك حيلة بارعة من “جال” استفادت منها كثيرا، خصوصا وأن تايبيه هي الوجهة المفضلة ليابانيين كثر في عطلات نهاية الأسبوع. مما سبق، يتبين أن إشهار إفلاس “جال” تضافرت فيه عوامل عدة مثل اشتداد المنافسة العالمية في سوق الطيران، وتراجع حركة السفر بسبب الأزمة الإقتصادية العالمية وإنفلونزا الخنازير، والتوسع الكبير في تحديث الأسطول الجوي وافتتاح المحطات، والدمج غير المدروس، وسوء الإدارة، وتزايد الديون، انقطاع الدعم الحكومي، وارتفاع أسعار الطاقة، والاستثمار في الفنادق والمنتجعات. ولأن “جال” تعتبر من وجهة نظر الحكومة اليابانية إحدى روافد التنمية المستقبلية في البلاد، فإن طوكيو بادرت فورا إلى التأكيد على أنها لن تتخلى عنها وستساندها “من خلال حزم إنقاذ حكومية سخية” حتى تخرج من عثرتها، مستبعدة سماحها لشركات طيران أجنبية بالاستحواذ عليها، الأمر الذي وضع حدا لتكهنات انتشرت حول تنافس شركتي طيران “دلتا” و “أمريكان إير لاينز” للحصول على حصة في “جال” وبالتالي تعزيز أقدامهما داخل اليابان والشرق الأقصى. ويرى المراقبون أن اختيار “كازو إيناموري” أحد أبرز خبراء الإدارة اليابانيين لشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة بدلا من رئيسها المستقيل “هاروكا نيشيماتسو”، معطوفا على تقديم بنك مملوك للدولة لمبلغ 145 مليار ين للشركة كتمويل طوارئ، وإبداء مؤسسة شبه رسمية تدعى “مؤسسة مبادرة التحول التجاري” استعدادها للقيام بعملية إعادة هيكلة شاملة لجال، هي في الواقع شواهد تبشر بالخير، وإن استدعت العملية الأخيرة إجراءات مؤلمة مثل تسريح ثلث عدد العاملين وإغلاق خمس عدد المحطات الخارجية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها