النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10909 الأربعاء 20 فبراير 2019 الموافق 15 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:34AM
  • العشاء
    7:04AM

كتاب الايام

مصرع السفاح في باكستان

رابط مختصر
العدد 7879 الجمعة5 نوفمبر 2010 الموافق 28 ذو القعدة 1431هـ

فوجئ الصحفيون والإعلاميون بالقرار الذي أصدره مجلس القضاء الأعلى بحظر التصوير التليفزيوني والفوتوغرافي والتسجيل الصوتي في قاعات المحاكم‏، ‏وهو قرار شفعه المجلس ببيان يذكر بالنصوص القانونية التي تنظم النشر عن القضايا والمحاكمات، ‏وتنطوي على عقوبات تصل إلى الحبس على جرائم من نوع نشر ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة بشكل يؤثر على صالح المتهمين أو مراكزهم‏، ‏ونشر وقائع الدعاوى التي قررت المحاكم نظرها في جلسة سرية، ‏ونشر المرافعات القضائية والأحكام التي حظرت المحكمة نشرها‏، ‏ونشر المداولات السرية للمحاكمة، ‏أو وقائع التحقيق التي صدر قرار بحظر النشر عنها‏، ‏والإخلال بمقام قاض أو هيبته أو سلطته، ‏والتأثير في القضاة الذين يناط بهم الفصل في دعوى، ‏ونشر أخبار عن التحقيقات أو المرافعات في دعاوى الطلاق أو التفريق أو الزنى، ‏وهو بيان أزعج الإعلاميين الذين لا يعرف معظمهم أن القانون ينطوي على كل هذا العدد من المحظورات، ‏التي قد يقعون فيها بحسن نية، ‏فيجدون أنفسهم في قفص الاتهام إلي جوار المتهمين الذين يتابعون أخبارهم‏.‏ ومن المؤكد أن كثيرين من هؤلاء ـ وخصوصا العاملين منهم في الإعلام التليفزيوني قد أحزنهم قرار حظر التصوير داخل قاعات المحاكم كما أزعجهم أن يعرفوا أن القانون ينطوي على كل هذه المحظورات ويعاقب على نشرها بالحبس والغرامة، ‏إذ كانوا يظنون أن أخبار الجرائم ووقائع المحاكمات، ‏هي مادة إعلامية، ‏جذابة ومشوقة، ‏تحشد القراء والمشاهدين، ‏وتشد وراءهم المعلنين، ‏ولا تنطوي على أي محظورات يمكن أن تجلبها غيرها من المواد الإعلامية، ‏وخصوصا السياسية منها، ‏فالذين تتناولهم هذه المواد الإعلامية، ‏هم متهمون بارتكاب جرائم، ‏تحول قضبان السجن بينهم وبين مشاهدة ما ينشر وما يبث عنهم‏، ‏وحتى لو تابعوه، ‏فإنهم لا يهتمون بمقاضاة من يقذف في حقهم إذ يسبهم تطبيقا لشعار‏: ‏أنا الغريق فما خوفي من البلل، ‏فإذا بها ـ كما اكتشف الإعلاميون في ضوء بيان مجلس القضاء الأعلى تزدحم بالمحظورات‏!‏ ذكرتني حالة الذهول التي أصابت الإعلاميين، ‏بعد صدور قرار وبيان المجلس الأعلي للقضاء، ‏بالنظرية المأسوية التي انتهت إليها حملة جريدة الأخبار التي واكبت المطاردة المثيرة بين الشرطة ولص المساكن محمود أمين سليمان الذي خرج من السجن لينتقم من زوجته السابقة‏، ‏التي طلبت الطلاق منه، ‏بمجرد صدور الحكم بسجنه لتتزوج من محاميه وصديقه‏، ‏مما جعله يجزم بأنهما كانا على علاقة عاطفية، ‏دفعتهما لإبلاغ الشرطة عنه‏، ‏حتى يخلو لهما الجو فيتزوجا، ‏فقرر أن يعاقبهما علي خيانتهما‏، ‏وأخذ يطاردهما لكي يقتلهما ولكنهما أخذا ينتقلان من مسكن إلى آخر لتطيش رصاصاته وتصيب آخرين‏، ‏وهي الواقعة التي اتخذ منها نجيب محفوظ موضوعا لروايته الشهيرة اللص والكلاب‏!!‏ ولأن سلوك الشخصية الروائية على عكس سلوك الشخصية الطبيعية، ‏لابد وأن يكون له مبرر‏، ‏وأن تكون خلفه دوافع منطقية، ‏فقد جاءت الرواية لتضع فأس المسؤولية عن الحملة الصحفية التي شنتها الصحف ضد بطلها سعيد مهران، ‏في عنق الصحفي رؤوف علوان، ‏الذي كان أحد الطلاب الذين يقيمون بالمدينة الجامعية، ‏حين ضبط أحد زملائه الطلاب سعيد مهران ـ أحد خدم المدينة آنذاك ـ متلبسا بسرقة نقوده‏، ‏فتدخل رؤوف للحيلولة دون تسليمه للشرطة‏، ‏ووضعه تحت رعايته‏، ‏وأخذ يلقنه أفكارا فوضوية تبيح للفقراء سرقة الأغنياء‏.‏ لكن دوافع جريدة الأخبار من الحملة ضد السفاح محمود أمين سليمان، ‏لم تكن لها صلة بدوافع رؤوف علوان للحملة على سعيد مهران، ‏بل كان وراءها سبب آخر هو ما كانت الأخبار تعانيه آنذاك، ‏من تدهور في توزيعها‏، ‏دفعها للبحث عن موضوعات مثيرة لرفع التوزيع‏، ‏كان من بينها التوسع في نشر أخبار الحوادث والقضايا‏.‏ وحتي ثورة‏ 1952، ‏لم تكن الصحف المصرية اليومية ‏تهتم بإبراز أخبار الجرائم أو المحاكمات الجنائية‏، ‏بل إن حجم ما نشرته هذه الصحف عن شخصيات إجرامية بارزة من نوع أدهم الشرقاوي وريا وسكينة وخط الصعيد كان محدودا للغاية‏، ‏في حمى الاهتمام بأخبار القضية الوطنية وبالصراع الحزبي الداخلي، ‏وكان قراؤها يجدون في هذه الوجبة من الأخبار ما يجذبهم إلي قراءتها، ‏وكانت الصحف الجديدة تجد في تغطية أخبار الصراع موضوعا يجد لها مكانا في سوق الصحافة‏، ‏وكان ذلك ما فعلته أخبار اليوم، ‏إذ خصصت الصفحة الأولى من أعدادها العشرة الأولى لتحقيق صحفي كتبه مصطفي أمين بعنوان لماذا ساءت العلاقات بين الوفد والعرش‏.‏ وشاء سوء حظ صحيفة الأخبار اليومية، ‏أنها صدرت قبل خمسة أسابيع من قيام ثورة‏ 23 ‏يوليو‏ 1952, ‏لتواجه خلال الأشهر الأولى من عمرها ‏مناخا سياسيا انتهي بحل الأحزاب السياسية ‏وتوقف صحف الأحزاب، ‏فضلا عن منافسة عنيفة من الصحف اليومية الراسخة التي سبقتها في الصدور مثل المصري والصحف التي أصدرتها السلطة الجديدة وخصتها بأهم الأنباء ومنها الجمهورية أو الأهرام بعد أن تعاقد أصحابه مع محمد حسنين هيكل ـ الصحفي المقرب من زعيم الثورة جمال عبد الناصرـ ليرأس تحريره‏.‏ وهكذا تدهور توزيع الأخبار وعجزت عن دفع مرتبات محرريها حتي إنها كانت تصرفه في أحد الأشهر لنصفهم‏، ‏وتصرفه في الشهر التالي لنصفهم الثاني‏، ‏وأوشكت أن تتوقف عن الصدور، ‏إلى أن توصلت إلي توليفة صحفية جديدة تمكنها من أن تجد لها مكانة في سوق قراءة الصحافة، ‏هو أن تركز علي أخبار الجريمة والرياضة والأخبار الاجتماعية وأخبار الفن‏.‏ وهكذا لم تكن مصادفة أن تستضيف الأخبار فريق نادي ريال مدريد لكرة القدم‏، ‏لكي يلعب في مصر، ‏وأن تبرز أخبار مباريات كرة القدم وأخبار الجرائم في الصفحة الأولي، ‏وأن تحتل أخبار من هذا النوع مانشيتات الجريدة، ‏ومن بينها وقائع مطاردة السفاح محمود أمين سليمان التي بالغت في النشر عنها بأسلوب إثاري، ‏يستهدف تحويلها إلى قضية رأي عام، ‏وبالتالي يقيل الأخبار من عثرة انصراف القراء عنها‏.‏ ومن سوء الحظ أن هذه الحملة انتهت بوقوع الأخبار في مطب سياسي خطير، ‏ففي اليوم الذي قتلت فيه الشرطة السفاح محمود أمين سليمان، ‏كان الرئيس عبد الناصر، ‏يزور باكستان، ‏ولأنها لم تكن تستطيع أن تتغافل عن نشر هذا الخبر، ‏فقد قررت أن تنشر مانشيتا من سطرين، ‏يقول الأول‏: ‏مصرع السفاح ويقول الثاني‏: ‏عبد الناصر في باكستان وكان مفروضا أن يضع سكرتير التحرير خطا يفصل بين العنوانين، ‏ولكن نسي في زحمة العمل، ‏وخرجت الأخبار في اليوم التالي بمانشيت قرأه الناس باعتباره عنوانا واحدا لا عنوانين‏، ‏يقول مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان‏!‏ وكانت أزمة أطاحت بكثيرين أثبتت لهم أن نشر الجرائم ليس دائما الطريق الأكثر أمانا للصحفيين‏!‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها